الخميس، 23 أبريل، 2015

النزعة العنصرية لدارون ونظريته وما نشأ عنها - د/منى زيتون

النزعة العنصرية لدارون ونظريته وما نشأ عنها
من وحي مظاهرات بالتيمور بأمريكا
د/منى زيتون
(المقالة عبارة عن نبذة مختصرة للغاية عن الموضوع، فهو حريَ بأن تُكتب فيه مجلدات ويُوثق بإضافة مقالات حوتها بطون الكتب)


"يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ"
شتان بين نظرة الإنسان لإنسان من سلالة أو شعب أو قبيلة تختلف عنه على أنه أخيه من أمه وأبيه؛ من حواء وآدم، وبين أن ينظر إليه على أنه من سلالة أو عرق أدنى منه وأقل تطورًا.

كان لأفكار الباحث السكاني والاقتصادي الإنجليزي الشهير "توماس روبرت مالتوس" عن "التكاثر السكاني" أثرها الكبير على تشارلز دارون صاحب نظرية النشوء والارتقاء.
أعلن مالتوس عن حتمية النقص في المواد الغذائية مقارنة بزيادة السكان،‏ إذ يعتبر أن عدد السكان يزيد وفق متوالية هندسية (2، 4، 8، 16)، بينما يزيد الإِنتاج الزراعي وفق متوالية حسابية (2، 4، 6، 8)، مما سيؤدي حتمًا إلى نقص الغذاء والسكن.
وكان مؤلفه الذي تأثر به دارون بعنوان "مقال في مبدأ السكان"، وصاغ فيه نظريته حول السكان والتي أثارت ضجة كبيرة؛ حيث ورد فيها أن: "الرجل الذي ليس له من يعيله والذي لا يستطيع أن يجد له عملًا في المجتمع سوف يجد أن ليس له نصيبًا من الغذاء على أرضه فهو عضو زائد في وليمة الطبيعة حيث لا صحن له بين الصحون، وبالتالي فإن الطبيعة تأمره بمغادرة الزمن".‏

ونجد تلك الأفكار ماثلة بوضوح في كتاب "أصل الأنواع"؛ حيث يقرر دارون أن كل الكائنات الحية تتكاثر بمتتالية هندسية، وأنه رغم هذه القاعدة فإن عدد كل نوع من الأنواع يبقى ثابتًا إلى حد ما نظرًا لأن هناك صراع على المكان والغذاء والبقاء. أطلق دارون على هذا الصراع "الانتخاب الطبيعي" "Natural Selection"، لكنه قبل أيضًا التعبير الذي أطلقه عليه صديقه هربرت سبنسر "البقاء للأصلح" "Survival of the fittest".

كلام يبدو مغريًا بالتصديق للوهلة الأولى!!!

وقد أدت نظرية مالتوس للسكان –التي سادت فترة- وابنتها نظرية دارون إلى حدوث العديد من الكوارث الإنسانية التي تمت دون أن تطرف عين لمرتكبيها بعد أن وجدوا المبرر الذي يريح ضمائرهم، فأبيدت شعوب إبادة جماعية، وتم تعقيم عرقيات من التي اعتبرت أقل تطورًا كالهنود الحمر والسود في أمريكا لمنعهم من الإنجاب لأنهم ليسوا الأعراق الأفضل لاستمرار مسيرة البشرية، وقتل النازيون المرضى في غرف الغاز، كما تمت إبادة ملايين في روسيا لتقليل الوقت اللازم لأجل الوصول للتقدم والتنمية.

فهل حقًا يعتبر الصراع لأجل البقاء أساسًا لاستبقاء الحياة على سطح الأرض؟
إن مراجعة بسيطة للتاريخ الإنساني تقول أن البشر خاصة لم يتقاتلوا على الغذاء كغذاء، وأن ذلك التوازن بين أعداد السكان والموارد تم الحفاظ عليه من خلال آليات عديدة مثل الكوارث والأوبئة والحروب، وقليلًا ما لعبت المجاعات دورًا مشابهًا في تاريخ البشرية، وأن آلية مثل الكوارث –على سبيل المثال- لا دخل لها بصلوحية الأفراد للحياة.
وبالنسبة للحيوانات فالحديث عن تكاثر كائن واحد والأعداد المهولة التي يمكن أن ينتجها في فترة زمنية محدودة وماذا لو بقيت كلها دون أن يكون هناك صراع هو حديث مبالغ فيه، فالكائن الحي لم ينتج كل هذه الأعداد إلا للحفاظ على النوع لأن ما ينجو منها ويبقى هي أعداد قليلة، وذلك بفعل عوامل كثيرة، وكلما كانت عوامل التهديد أكثر كلما أنتج أعدادًا أكثر، وطالما نتحدث عن الغذاء أقول أن سلاسل الغذاء في البيئة الطبيعية لو تركت تعمل دون محاولة للإخلال بها كفيلة بالحفاظ على التوازن البيئي.


رابط فيديو "كيف تغير الذئاب الأنهار"





نقطة ثانية نسجلها في هذا الصدد أنه في ضوء آراء دارون المدونة عن سكان أرض النار "الفوجيين" الذين زارهم في رحلة البيجل يتضح أن دارون كانت لديه نزعة عنصرية وأنه كان يرى أن هناك أجناسًا بدائية لا يمكن أن ترتقي أخلاقيًا وعقليًا لمستوى الإنسان المتحضر!!!.
يصف دارون سكان أرض النار بأنهم بائسون وهمج منحطون، وأن الفرق بين اثنين منهم كانا قد عاشا عامًا في إنجلترا وبين أقاربهم المحليين كالفرق بين الحيوانات المدجنة والحيوانات المتوحشة!!!.

فحقيقة تشارلز دارون أنه ليس هو الإنسان الطيب الخلوق كما حاول كثيرون ممن تعرضوا لحياته أن يصفوه. دارون هو من صاغ العنوان الفرعي لكتابه "أصل الأنواع" ليكون "الاحتفاظ بالأعراق المفضلة في أثناء الكفاح من أجل الحياة"!!!
إن عنوانًا كهذا يظهر إلى أي حد كانت لديه نزعة عنصرية واضحة أنتجت نظرية عنصرية جرت على البشرية أهوالًا، فعلاقة نظريته واضحة بكل من الداروينية الاجتماعية وادعاء سيادة أجناس على أخرى وما استتبعها من صهيونية ونازية وإبادة لبعض الأجناس في أفريقيا.

وصل الأمر في أوائل القرن العشرين لتصور أن الإنسان الأسود يمثل السلف المشترك المفقود بين الإنسان والقرد، أو على الأقل إحدى تلك الحلقات المفقودة حتى كتب أحدهم أن الإنسان الأسود أكثر شبهًا بإنسان نياندرتال من الإنسان الأبيض، وهذا يثبت أنه أقل تطورًا من الإنسان الأبيض –بل والأصفر-. ومن أشهر الفضائح التي حدثت في ذلك الصدد ما عُرف باسم فضيحة "أوتا بينجا" وهو قزم من الكونغو (1883 – 1916) تم تقديمه في المعرض الأنثروبولوجي في سانت لويس (ميزوري) 1904 بوصفه أقرب حلقة انتقالية للإنسان، ثم عُرض في حديقة الحيوان في برونكس عام 1906 في قفص مع بعض القردة على أنه السلف الأقرب للإنسان. تم أسر أوتا بينجا بعد أن قتلوا زوجته وطفليه وأهل قريته أمام عينيه، ثم بيع إلى صامويل فيليبس فيرنر Samuel Phillips Verner الذي كان قادمًا إلى أفريقيا ليأتي بأقزام أفارقة يشبهون القرود، يتم عرضهم على الناس كإثبات على صحة نظرية داروين.

ويمكن تفسير هذه النزعة العنصرية لدى دارون بنشأته؛ فهو من عائلة أرستقراطية مكنته من انتحال دور أكبر بكثير مما هيأه الله لأمثاله من ضعاف العقول.

وهنا قد يقول قائل مدافعًا عن دارون ونظريته أن ظلم الإنسان لأخيه الإنسان مستمر ودائم منذ بدء الخليقة، وأنه حتى وفقًا لقصة الخلق التي ذكرتها الكتب السماوية فإن أول جريمة قتل على ظهر الأرض قد حدثت من أخ طوعت له نفسه قتل أخيه.
وهذا كلام بلا شك صحيح، فالتمييز العنصري والاستعمار وخلافه من أشكال الظلم الجماعي الذي تقوم به قوميات تجاه أخرى لم يكن وليد منتصف القرن التاسع عشر، لكن التطور هو أيدولوجية تحمل أفكارًا عنصرية حاولت إعطاء مبرر علمي للتمييز العنصري والصراع بين الأعراق البشرية. أي أنه لأول مرة في تاريخ البشرية صار ذلك الظلم مبررًا، بل ويخضع لحكم الطبيعة التي اقتضته!!!!

وقطعًا فإن هذا الاقتناع بنظرية التطور التي هي ليست علمًا؛ إذ لا تستند إلى أدلة علمية موثوقة بل مجرد أيدولوجية حقيرة قد استتبعه الرغبة في الحفاظ على نقاء ذلك العرق الأبيض المتفوق، وذلك باستمرار التمييز والفصل بين الأعراق حتى وصل الأمر لقتل وسرقة عظام جثث سكان الأعراق التي اُعتبرت أقل تطورًا وبيعها للمتاحف في الغرب ليتم ملء المتاحف بعظام ما يسمى بالحلقات الانتقالية لأشباه البشر، كما لا يخفى على ذي بصيرة كيف استمد الاستعمار دعمًا قويًا من نظرية دارون.

ولا زال التمييز العنصري ماثلًا في الغرب ضد الهنود الحمر والسود في أمريكا، وضد سكان أستراليا الأصليين الذين يعتبرون أيضًا من الأعراق البدائية وتؤخذ أراضيهم –حتى اليوم- بغير وجه حق لصالح المستوطنين البيض. وهناك الآلاف من الحالات الموثقة لتلك الجرائم العنصرية في تاريخ البشرية من منتصف القرن التاسع عشر وحتى يومنا هذا، ولن يكون آخرها أحداث شغب بالتيمور.

كلمة أخيرة: الإنسان البدائي أفضل منكم يا مدعيَ التحضر. على الأقل كان أكثر وضوحًا واتساقًا مع نفسه. لم يكن يمثل ويختلق مبررات لتصرفاته الحقيرة.

الرابط التالي لمقطع مترجم عن الداروينية الاجتماعية وأصول الحرب العالمية الأولى
Social Darwinism and the Origins of WWI


فهرس مقالات مدونة نقد التطور- د/منى أبو بكر زيتون

رابط مجلة آمنت بالله – د/منى أبو بكر زيتون https://amantbeallah.blogspot.com.eg / رابط مدونة نقد التطور – د/منى أبو بكر زيتون ht...