الخميس، 23 أبريل، 2015

أسماك الجوبي

أسماك الجوبي

يستدل التطوريون على حدوث التطور الصغروي بتجربة جون إندلار صاحب كتاب "الانتخاب الطبيعي في البرية" على أسماك الجوبي.
قام البروفيسور جون إندلر (John Endler) البيولوجي التطوري بتجربة مثيرة ليرى كيف تتطور أسماك الزينة الجابيز (Guppies) – أو بالعربية الجوبي – بحيث تتغير ألوانها للتناسب مع البيئة المحيطة بها (هذه الأسماك مشهورة جداً، ويقتنيها الكثير من الناس في الأحواض المنزلية). لاحظ إندلر- أنه في الطبيعة – هذه الأسماك إذا ما كانت تعيش في مياه تحتوي على أسماك مفترسة، فستكون ألونها قريبة من ألوان الصخور التي حولها لتموّه عن وجودها فيه، بينما إذا كانت في بيئة حيث لا توجد الكثير من الأسماك المفترسة فإن ألوان الذكور تكون زاهية جميلة قزحية بغرض جذب الإناث للتزاوج.

وضع فرضية تقول أن الأسماك التي تعيش في ظروف تكون تحت ضغط الافتراس تتطور تدريجياً –يعني تتكيف- إلى أن تتمكن من إخفاء نفسها من الأسماك المفترسة، بينما تلك التي تعيش في أمان، إنما تتغير ألونها مع الوقت لتصبح أكثر ظهوراً حتى تكتشفها إناث الجوبي، في الحالة الأولى تحتاج أسماك الجوبي للتخفي في الحالة الثانية تحتاج للظهور.

فقام بتجربة في المختبر ليرى إن كانت فرضيته صحيحة، وصنع 10 أحواض من السمك، فوضع فيها أسماك الجوبي، وفي تلك الأحواض وضع نوعين من الصخور، في قاع خمسة من الأحواض وضع حصيات صغيرة، وفي الخمسة الأخرى وضع حصيات كبيرة، التنبؤ يقول أن لو كانت هناك أسماك مفترسة فإن أسماك الجوبي ستتغير أنماط تلاوينها لتتناسب مع الحصيات الكبيرة والصغيرة، أما إذا لم تكن معها أسماك مفترسة فإن ألوان الأسماك ستتغير بألوان مختلفة عن الأرضيات، فستكون أكثر وضوحاً. بعد ذلك أدخل أسماك الجوبي بشكل عشوائي إلى الأحواض وأبقيت في هذه الأحواض لمدة 6 أشهر بلا أي وجود لأسماك مفترسة.

بعد ذلك قسم الأحواض إلى ثلاثة أقسام، فوضع في أربعة منها سمكة مفترسة واحدة لكل منها (اثنان بحصيات صغيرة واثنان بحصيات كبيرة)، وفي اثنين من الأحواض لم يضع أية أسماك مفترسة (مرة أخرى حوض بحصيات كبيرة وحوض بحصيات صغيرة)، وفي الأربعة أحواض الأخيرة وضع 6 أسماك شبه مفترسة للجوبي في كل منها. كان هذا التصميم التجريبي لتماثل أعداد الأسماك المفترسة وشبه المفترسة في الطبيعة بالمقارنة مع أسماك الجوبي.

وبعد خمسة أشهر من التجربة قام إندلر بحساب النقاط على الأجيال الجديدة من الأسماك، فلاحظ أن عددها – على الأسماك في الأحواض التي لا تحتوي على الأسماك المفترسة – ازدادت، بينما تلك الأحواض التي تحتوي على الأسماك المفترسة انخفضت، بل أكثر من ذلك، فالجوبي التي عاشت في الأحواض التي تحتوي على الصخور الصغيرة أصبحت نقاطها أصغر في ظل وجود أسماك مفترسة، بينما تلك التي تعيش في الأحواض المحتوية على الصخور الكبيرة أصبحت نقاطها أكبر، لتتناسب النقاط مع الصخور بحيث تعطي هذه الأسماك الإمكانية للتخفي من الافتراس. أما تلك الأسماك التي عاشت في ظل الأسماك شبه المفترسة أو بلا أي افتراس تطورت فيها النقاط لتصبح على عكس الأرضية الصخرية، بحيث تكون أكثر وضوحاً لتكون واضحة للأنثى وبالتالي تتمكن من التكاثر أكثر.

بعد ذلك قام البروفيسور إندلر بالتجربة خارج الأحواض، ووضع بعض أسماك الجوبي في الأنهار، فأخذ عينة من أسماك الجوبي التي كانت ألونها متشابهة مع الصخور، ووضعها في بيئة ليست فيها أسماك مفترسة أو أسماك شبه مفترسة، ثم عاد لها بعد سنة و11 شهرا، ووجد أن تلك الأجيال اللاحقة من تلك الأسماك بدأت بالتلون، وبعد 9 سنوات من التجربة عاد علماء آخرون لأخذ عينات من أبناء تلك الأسماك التي لم تكن ملونة في البداية، ووجدوا أنها مختلفة بشكل كبير من أسلافها التي نقلت للبيئة الجديدة، فكانت ألوانها زاهية جميلة.
والأكثر والأعجب من ذلك أن الجوبي الموجود في البيئة المطمئنة كانت تنضج بعد فترة طويلة بالمقارنة مع تلك التي كانت في البيئة الخطرة، وكذلك كانت أكبر، ولم تكن تنتج أبناء كثيرة.

والآن بعد هذا التصميم التجريبي المتقن ما الذي يمكن أن تثبته هذه النتائج المتحصل عليها في إثبات أي شيء أكثر من أن الأسماك تكيفت مع بيئتها؟!

يدعي التطوريون أن ما حدث بالنسبة للأسماك هو أنه في البداية حينما نضع عدد كبير من الأسماك في الحوض فإنها ستسبح في الماء بحرية، ولكن حينما نعرضها للفريسة، ستبدأ هذه الفريسة بأكل الأسماك الواضحة والتي تختلف ألونها عن البيئة –لأن هذه الأسماك متنوعة، فلا تأتي كلها بمقاس واحد، ولا بلون واحد-، فأما السمك الواضح للأسماك المفترسة فسيكون لقمة سائغة لها، وسيُلاحق في الحوض إلى أن يُلتهم، أما تلك الأسماك التي تتشابه نوعاً ما مع البيئة التي فيها فستتجاهلها السمكة المفترسة لأنها قد لا تراها، فتعيش لتورث جيناتها للجيل القادم. إذن، الأسماك المفترسة تقوم بفلترة الحوض من الأسماك الواضحة تدرجياً، إلى أن تبقى الأسماك القادرة على الاختباء، وهذه بدورها تستطيع التكاثر لتأتي بأسماك جديدة، وهكذا مع كل جيل تتوالد أسماك الجوبي أجيالاً أكثر قدرة على التأقلم مع البيئة، وكلما ولدت ستُنتخب تلك المتكيفة، وتُمحى غير المتكيفة.

أما عن الأسماك في الأحواض المريحة التي لا تحتوي على الأسماك المفترسة، ستكون هناك طريقة أخرى للانتخاب، الأنثى لديها عدد محدود من البيض، فأي الذكور سيكون محظوظاً في تلقيحها؟ أيها ستختار الأنثى؟ إنها الذكور الأكثر وضوحاً بالنسبة لها، ففي باديء الأمر ستكون تلك الأسماك واضحة نسبياً، ولكن مع الوقت كلما اختارت الإناث الأسماك الأكثر وضوحاً وسمحت لها بتلقيح بيضها فذلك يعني أن الأسماك القادمة ستتوارث الصفات التي تعطيها الوضوح، أما تلك التي لا تحصل على فرصة للتكاثر مع الإناث ستندثر صفاتها مع الوقت لعدم تمكنها من نقلها للأبناء، وفي كل جيل تصبح الألوان أوضح سيكون للذكور فرصة أكبر للتزاوج. وهذا النوع من الانتخاب يسمى بالانتخاب الجنسي الذي يندرج تحب الانتخاب الطبيعي.

وأعلق قائلة أن التفسير الذي قدمه التطوريون هو بالفعل محاولة لتقديم تفسير علمي، ولكنه غير كاف، وتم قصره على ما يمكن توظيفه لخدمة نظرية التطور.
من المعروف أن صفة تصبغ الجلد في كل الكائنات الحية تتأثر بعاملين:
أ-الجينات التراكمية، فاللون لا ينتقل عن طريق جين واحد فقط بل عن طريق أكثر من جين يتجمع تأثيرها مع بعضها ليعطي لون الجلد، فمثلاً لون الجلد في الإنسان يخضع لتأثير حوالي 40 جين تراكمي، وتوريث أكثر من 30 مثلاً يجعل الشخص داكن البشرة، و20 يصبح خلاسي اللون (أسمر داكن)، وهكذا تتفاوت ألوان البشر بدرجات كثيرة مختلفة.
ب-تأثير البيئة، وأوضح مثال هو تغير نسبة إفراز الميلانين في جلد الإنسان مع التعرض أو عدم التعرض لأشعة الشمس –لا يعزى هذا إلى أي تغير جيني أو حدوث طفرات-.

وهنا تأتي المفارقة التفسيرية لنتائج التجربة فبينما حدث التغير في التأثيرات البيئية تجاهل التطوريون إعطاء تفسير للنتائج بأن تغير حجم البقع الجلدية ولونها يمكن أن يرجع إلى تغير نسبة إفراز الصبغيات في الجلد –وهو التفسير الأقرب-، وادعوا أن الأمر يرجع إلى تغير في تردد نسب المورثات في العشيرة ليحيلوا الموضوع إلى التطور.

بالتالي فإن دليلهم على التطور الصغروي هو مجرد حالة تكيف عادية مع البيئة لا تفرق كثيراً عن زيادة تصبغ جلد الإنسان بالميلانين أو نقص التصبغ تكيفاً مع أشعة الشمس.

فهرس مقالات مدونة نقد التطور- د/منى أبو بكر زيتون

رابط مجلة آمنت بالله – د/منى أبو بكر زيتون https://amantbeallah.blogspot.com.eg / رابط مدونة نقد التطور – د/منى أبو بكر زيتون ht...