الخميس، 23 أبريل 2015

التطور وعلم فوق الوراثة

علم فوق الوراثة
د/منى زيتون
علم فوق الوراثة (1).. كيف تؤلف قصتك البيولوجية؟!‏
الثلاثاء 4 يوليو 2017
علم فوق الوراثة (2).. هل ينسف مفهوم الطفرة؟!‏
السبت 8 يوليو 2017
علم فوق الوراثة (3).. هل ينسف مفهوم التطور الصغروي؟!‏
الاثنين 10 يوليو 2017
********************
علم فوق الوراثة (1).. كيف تؤلف قصتك البيولوجية؟!

شهد أوائل القرن العشرين وضع مباديء علم الوراثة بعد الاعتراف بأبحاث جريجور ‏مندل التي كان أجراها في القرن التاسع عشر، وفي منتصف القرن وضع واطسن وكريك نموذجهما الشهير لتركيب الحمض النووي الريبوزي منزوع الأكسجين DNA، وتتالت الدراسات التي اهتمت بتحديد الجينات في جينومات الأنواع الحية المختلفة وأهمها الإنسان.
والجينات هي الوحدات الرئيسية التي يتركب منها الحمض النووي، وتحمل الصفات الوراثية، ويشكل مجموعها في كل نوع ما يُعرف باسم جينوم النوع الحي.
كان الاستنتاج العام من تلك الدراسات الرائدة أن جيناتنا هي المُشكِّل الرئيسي لحياتنا، فهي لا تحدد فقط صفاتنا الشكلية، بل هي السبب في إصابتنا بالكثير من الأمراض، فيما أصبح يُعرف بالاستعداد المرضي الوراثي، ووصل الأمر لمحاولة إلصاق اتهامات خطيرة بها، فأصبحت الجينات متهمة بدفع بعض البشر نحو ارتكاب الجرائم أو الشذوذ الجنسي، وغيرها من السلوكيات!
جعل هذا التصور للجينات الإنسان ورقة كُتب كل ما فيها مسبقًا، وحياته ليست إلا قراءة لها، ويبدو أن هذا التصور لم يعجب كثير من العلماء الذين واصلوا البحث، ومع مزيد من الدراسات حول الجينات بدأت تتكشف فروق ظاهرية كبيرة بين أفراد يحملون نفس الجينات، لم يكن لها تفسير سوى اختلاف نمط الحياة، فبالرغم من أن الحمض النووي DNA يحمل شفرة الجسم، ويُستخدم لبنائه وإعادة بنائه، لكن الجينات بحاجة لتعليمات تخبرها ماذا عليها أن تفعل، ومتى وأين؟
ووُلِد علم آخر بجانب علم الوراثة، هو علم فوق الوراثة "فوق الجينات" epigenetics. أثبتت النتائج المستقاة من هذا العلم أن حياة الإنسان ليست مُملاة عليه، بل هو يكتبها بخياراته فيها. وأنه يبدو أن السلوك هو ما يغير الجينات أو بالأحرى والأدق يحدد طريقة الجينات في التعبير عن نفسها.
يقول تانزي وتشوبرا Tanzi and Chopra أستاذا الأعصاب في كلية الطب بجامعة هارفارد: "إنك لست مجرد مجموع الجينات التي وُلِدت بها. أنت المستخدم ‏والمتحكم في الجينات الخاصة بك، ومؤلف قصتك البيولوجية. لا توجد فرصة للرعاية الذاتية أكثر إثارة".‏
Tanzi and Chopra go on to say: “You are not simply the sum total of the genes you were born with. You are the user and controller of your genes, the author of your biological story. No prospect in self-care is more exciting‏.”‏

مُسلَّمات وراثية جديدة تتعلق بالجينات
كان من المعروف أن كل كائن حي يحمل في خلاياه الشفرة الوراثية التي تترجم صفاته، وهذه الشفرة تكون ‏‏مُحمَّلة على الجينات على شريطيّ الحامض النووي ‏DNA‏ لكل فرد من أفراد النوع.‏ والطبيعي أن تتم ترجمة هذه الشفرة الوراثية بشكل سليم، مما يظهر صفات متنوعة ‏‏لكل أفراد الكائنات الحية، ولكن بما لا يُخرج أي فرد عن الصفات المحددة لنوعه.‏
وكل صفة وراثية في الإنسان خصوصًا يتم توريثها عن طريق عدد من الجينات وليس ‏‏جين واحد كما كان التصور القديم في ضوء الوراثة المندلية البسيطة.‏
لكن، تحدث بنسبة بسيطة حالات ترجمة للشفرة الوراثية بطريقة مختلفة، وكان يتم عزوها إلى ‏‏الطفرات، والطفرة كما تعرفت إلينا طوال القرن العشرين: هي تغير مفترض في الحمض النووي ‏DNA، والذي هو كتاب شفرة الحياة ‏لكل فرد من أي نوع، يُفترض أنه ينشأ عنه تغير في التعبير الجيني، ومن ثم تغير في الصفة على المستوى الظاهري.
"مفهوم الطفرة القديم= تغير جيني ينتج عنه تغير ظاهري"
ومع ظهور نتائج المشروع الاستكشافي الرائد [موسوعة عناصر الحمض النووي ‏‏(إنكود)]، وبعض الدراسات الأخرى الجادة الموثقة في المجلات العلمية، نشأت مُسلَّمات جديدة تتعلق بالجينات.
فيما يخص الجينات غير المشفرة لبروتينات:
·          كشفت نتائج مشروع إنكود‏ الأكاذيب عن الجينوم البشري التي انتهوا إليها من خلال مشروع الجينوم، ‏وتم الادّعاء من خلالها أن 95% من الحمض النووي ‏DNA‏ للإنسان هي خردة معطلة ‏junk‏!، ‏وادّعوا المثل في باقي الأنواع الحية بأن لديها نسبة كبيرة للغاية من جينومها بلا فائدة لأنه لا يشفر ‏لإنتاج بروتينات!
·          وأصبح مؤكدًا أنه لا يوجد أي جزء من الحمض النووي غير مستخدم وبلا وظيفة، فيما كان يُعرف باسم ‏junk DNA‏ الخردة العاطلة. رغم أن تلك المناطق لا تُشفِّر لإنتاج بروتينات. (1) (2) (3)
·        كما اعترف العلماء أنه توجد شبكة أكثر تعقيدًا، وما زال فهمنا لها ضحلًا، من الحلقات ‏والتحولات الكروموسومية التي تتمكن المحفزات والعناصر والموجودة في تلك ‏المناطق من الجينوم غير المشفرة عن طريقها من توصيل المعلومات التنظيمية فيما ‏بينها. أي أنه صار من المؤكد أن الأجزاء من الجينوم التي كان يُعتقد أنها بلا وظيفة ‏ذات طبيعة تنظيمية.
فيما يخص الجينات المشفرة لبروتينات:
·        سقطت مُسلَّمة جين واحد يشفر لبروتين واحد نهائيًا وإلى الأبد في حقيقيات النواة، ‏فبقدر ما يكون الكائن الحي معقدًا بقدر ما يبتعد عن تلك البديهية باشتقاقه أشكالًا ‏پروتينية متعددة من جينة واحدة. وقد أظهرت الدراسات على جينوم الإنسان أنه من الممكن من خلال ‏تناوب الاكسونات (المناطق المشفرة للبروتين التي تمثل 5% من الجينوم) مع ‏الانترونات (المناطق التي كان يعتقد أنها بلا وظيفة في تشفير البروتين وتمثل 95%) أن يحدث ‏تعبير مختلف لجين واحد إلى بروتينات مختلفة، وبالتالي انقلب المفهوم وصار مؤكدًا ‏أن (جين واحد يُكوِّد لعدة بروتينات). أي أنه يحدث تعديل لإنتاج أنواع مختلفة من ‏البروتينات، مما يعطي تنويعات كثيرة للصفة الواحدة.‏
·        توجد جينات مُعطَّلة غير نشطة عند أغلب الكائنات الحية كجزء أصيل من جينوم ‏النوع، تلك الجينات تكون بحاجة للتنشيط لإنتاج بروتين تحت ظروف ما.‏ والأمر أشبه بوجود الكهرباء في الحجرة، لكن هناك مفتاح يتم التحكم من خلاله بفتح وغلق الكهرباء، وكذا يبدو أن هناك تحويلة تقويم بتشغيل الجين أو تعطيله.
هذه الجينات المُعطَّلة معروفة للعلماء منذ منتصف القرن العشرين ولكنها لا زالت بحاجة إلى ‏الكثير من الدراسات لفهمها.‏ هذه الجينات الأخيرة تحديدًا لها قيمة كبيرة في علم فوق الوراثة؛ كونها تنشط أو تتعطل وفقًا لظروف البيئة.

فوق الوراثة (فوق الجينات) epigenetics
غلب الظن لعقود بعد وضع نموذج واطسن وكريك لبنية الحمض النووي DNA أننا عالقون مع الجينات التي وُلدنا بها، وأن ليست الصفات فقط ذات المنشأ الوراثي بل الأمراض أيضًا منشأها في الأغلب جيني، وأن لدى كل إنسان استعدادات مرضية وراثية يحددها ما يملكه من الجينات.
لكن شيئًا فشيئًا تأكد للعلماء أن النسبة الأكبر من الأمراض التي تصيب البشر تؤثر فيها البيئة بأكثر مما تؤثر الوراثة، وأن جيناتنا لا تتحكم فينا بل نحن من يتحكم فيها، فنقوم بتشغيلها وإيقافها، وكذلك زيادة التعبير عنها وإنقاصه، اعتمادًا على عوامل نمط الحياة التي نحياها؛ فخياراتنا في الحياة تنعكس إيجابًا وسلبًا على صحتنا.
وأهم تلك العوامل هي نوعية ونظام الغذاء، والحالة المزاجية، ومستوى نشاط الجسم، وممارسة الرياضة، وفترات النوم، والتعرض لمواد كيميائية ضارة وأشهرها السجائر والمخدرات، ومستوى الضغط الذي نتعرض له، والعلاقات الإنسانية بأنواعها، وكذلك تفكيرنا ورؤيتنا لأنفسنا وللآخرين وللعالم ككل، وسلوكياتنا اللطيفة أو السيئة مع الآخرين؛ لأن كل هذه العوامل يمكن أن تُنشط وتُفعل جيناتنا أو تثبط عملها!، على اختلاف هذه الجينات، لتجلب لنا صحة جيدة أو لتصيبنا بالمرض.

فالخلايا في أي كائن متعدد الخلايا لديها تسلسل متطابق للحمض النووي، وبالتالي نفس مجموعات التعليمات الوراثية، ومع ذلك تظهر طُرزًا مظهرية مختلفة. هذه الذاكرة الخلوية غير الوراثية، والتي تسجل الإشارات التطورية والبيئية هي أساس علم فوق الوراثة.
The cells in a multicellular organism have nominally identical DNA sequences (and therefore the same genetic instruction sets), yet maintain different terminal phenotypes. This nongenetic cellular memory, which records developmental and environmental cues, is the basis of epi-(above)–genetics.

يُعرف علم فوق الوراثة بأنه دراسة أي عملية تغير نشاط الجينات دون تغيير تسلسل الحمض النووي. ببساطة أكثر، هو دراسة التعبير الجيني؛ كيف تُشغل وتطفئ العوامل الخارجية الجينات، وكيف تتحكم في نشاطها صعودًا وهبوطًا.
Epigenetics is defined as the study of any process that alters gene activity without changing the DNA sequence. More simply, it is the study of gene expression — how external factors turn genes on and off, and up and down.

ويشير علم فوق الوراثة عمومًا إلى وراثة التنوع فوق وتجاوز التغيرات في تتابعات الحمض النووي. وهذا المصطلح أصبح يُختزل في أنظمة تنظيمية متنوعة تنطوي على مَثْيَلة الحمض النووي DNA، أو تعديل الهستونات، أو موقع النيوكليوسوم، أو حمض نووي ريبوزي RNA غير مشفر.
epigenetics generally refers to the inheritance of variation above and beyond changes in DNA sequence, the term is becoming shorthand for a variety regulatory systems involving DNA methylation, histone modification, nucleosome location, or noncoding RNA.
والمقصود بمثيلة الحمض النووي DNA أنه أصبح واضحًا أن إضافة جزئيات الميثيل إلى الجينات يؤثر في نشاطها، فيُعطِّلها، بينما اعتبار تعديلات الهستونات أو الحمض النووي الريبوزي غير المُشفَّر تابعة لفوق الوراثة لا زال محل مناقشة؛ لأن الهستونات لا تشغل وتعطل الجين بل تنظم نشاطه بالزيادة والنقص.

ولم تكن تلك الاكتشافات حول أهمية العوامل البيئية دحضًا في فكرة ارتباط بعض الجينات بنوعيات مختلفة من الأمراض، ولكنه توضيح لتأثير تلك العوامل البيئية في قراءة الشفرة الوراثية المحفوظة في الجينات، وكأن البيئة بذلك ترسل رسائل إلى الجينات تؤثر في قراءة شفرتها.
وعلم فوق الوراثة لا يهتم بتحديد الجينات المسؤولة عن صفة أو مرض ما، فذلك اختصاص علم الوراثة، وإنما يعتني هذا العلم بدراسة تلك العوامل البيئية التي تُنشط أو تُثبط الجينات، أي أن الجين الذي يشكل وحدة الحمض النووي يبقى كما هو، ولكن التعبير الجيني يختلف باختلاف ظروف البيئة. والمطلوب اكتشاف ما يجعله يختلف.
وأصبح مؤكدًا بالنسبة للعلماء أنه يمكن أن تنتج بروتينات مختلفة من نفس الجين نتيجة اختلاف التعبير الجيني باختلاف تلك العوامل البيئية. الأمر أشبه بأصابع البيانو التي رغم ثباتها إلا أنه يمكن منها إنتاج آلاف الألحان.
الأدهى أن هذا التنويع في إنتاج بروتينات مختلفة من الجين الواحد لا يختلف فقط من فرد لآخر، بل يختلف لدى نفس الفرد باختلاف الظروف المحيطة به من يوم إلى آخر!
كما كان من الملاحظ للعلماء أن الجينات التي اعتبروها مصدرًا للأمراض -خاصة السرطانات والأمراض النفسية-، أو ربما الأدق أن نصفها أنها ترتبط ارتباطًا إيجابيًا بتلك الأمراض، لا يتحتم أن يُصاب كل من يمتلكها بالمرض! بل يمكن أن يُصاب زوج من التوائم المتماثلة بالمرض بينما لا يُصاب توأمه به!
للمزيد، يمكن مشاهدة مقطع فيديو لتيم سبكتور Tim Spector، وهو أستاذ في علم الأوبئة الوراثية. يفسر فيه لماذا التوائم المتماثلة بعيدة عن التطابق، وكيف تتفاعل العوامل البيئية مع جيناتنا لتشكيل صحتنا وهويتنا.

ووفقًا لدكتور ميشيل جاينور Mitchell Gaynor فإن التغير في التعبير الجيني يمتد لأجيال أخرى، ولا يتوقف على الفرد ذاته. يقول: "نحن نعلم الآن أن التعبير الجيني يأتي من أجيال قبلنا، وسوف يستمر لأجيال بعدنا".
we now know that genetic expression comes from generations before us and will continue for the generations after us.
والمقصود أن الظروف البيئية التي غيّرت تعبير الجين عن نفسه من on إلى off، أو العكس، لا يتأثر بها الفرد ذاته فقط طالما لم يعيد تعديل نمط حياته، بل يمكن أن يورث ذلك التغير في التعبير الجيني إلى أبنائه، رغم أن تركيب الجين ذاته لم يتغير!
قديمًا قال العارفون بالله، إن وهبك الله ابنًا غير صالح، فانظر إلى حالك في الفترة التي حملته فيه أمه، فهو ترجمة له.

استخدام علم فوق الوراثة في علاج الأمراض
إن نقص المحددات الجينية التي تفسر تمامًا وراثة الصفات المعقدة، وعدم القدرة على تحديد الآثار الوراثية المسببة في بعض الأمراض المعقدة، تشير إلى التفسيرات فوق الوراثية المحتملة لهذه المعلومات الناقصة.
The lack of identified genetic determinants that fully explain the heritability of complex traits, and the inability to pinpoint causative genetic effects in some complex diseases, suggest possible epigenetic explanations for this missing information.

يدّعي بعض العلماء أن التدخين وحده يُحدث 50 ألف اختلاف في التعبير الجيني للمدخن، ويؤثر على قراءة الشفرة الوراثية بشكل خاطئ، وهو بذلك مسبب رئيسي للأورام السرطانية.
ويأمل العلماء أن يمكنهم التحكم في الكثير من الأمراض بتحديد العوامل التي تجعل جينًا معينًا ينشط ليؤثر التأثير المرضي على صحة الشخص، كي يتمكنوا من تثبيطه، والعكس بتنشيط التعبير الإيجابي لذلك الجين وجينات أخرى تقي من المرض.

في الجينات الفائقة يكتبون: "5٪ فقط من المرض يتعلق بالطفرات الجينية وهي حتمية تمامًا، في حين أن 95٪ يمكن أن يتأثر بالنظام الغذائي، والسلوك، والظروف البيئية الأخرى. لكن النماذج الحالية للرفاه تتجاهل إلى حد كبير الجينات، إلا أن الدراسات أظهرت أن برنامج تغيير نمط الحياة الإيجابي يغير من 4000 إلى 5000 نشاط جيني مختلف".
In Super Genes they write: ”Only 5% of disease-related gene mutations are fully deterministic, while 95% can be influenced by diet, behavior, and other environmental conditions. Current models of well-being largely ignore genes, yet studies have shown that a program of positive lifestyle changes alter 4,000 to 5,000 different gene activities.”

بعض الأوراق العلمية في السنوات الأخيرة تشير إلى الجهود الرامية إلى علاج مرضى السرطان عن طريق تعاطي العقاقير التي تعاكس الأنماط فوق الوراثية غير الطبيعية الموجودة في الأورام.
A News Focus story by Kaiser examines efforts to treat cancer patients with drugs that reverse the abnormal epigenetic patterns found in tumors.

وقد توصل العديد من علماء البيولوجيا السرطانية إلى الاعتقاد بأن مثيلة الحمض النووي DNA، وهي عملية تقوم فيها الإنزيمات بتثبيت مجموعات الميثيل على الجينات وعرقلة نشاطها، وما يسمى بالتغيرات فوق الوراثية الأخرى، قد تكون ذات أهمية مثل الطفرات الوراثية في إحداث السرطان.
وقد تلقى الآن ما يسمى فريق حلم علم فوق الوراثة أكثر من 9 ملايين دولار من حملة هوليوود جليتسى التي تُعرف بـ "الوقوف أمام السرطان"، للمساعدة في تمويل المرحلة الأولى من التجارب السريرية الثانية لاختبار أدوية منع مثيلة DNA، المستخدمة بالفعل بنجاح لعلاج سرطان الدم، لعلاج الأورام الصلبة مثل سرطان الرئة.
والفكرة ليست لقتل الخلايا السرطانية ولكن لتصحيح مثيلة الحمض النووي؛ وبالتالي "إعادة برمجة" لها على التصرف بشكل أكثر طبيعية.
ولكن بعض العلماء يشعرون بالقلق من أنه بدلًا من إعادة تحديد الأنماط فوق الوراثية، فإن الدواء الأساسي الذي يجري اختباره ببساطة يقتل الخلايا، سواء كانت سرطانية أو صحية، وبالتالي له آثار جانبية سامة. على وجه التحديد كيف أن العلاج يعمل لم يُعرف بعد.
ولأن الأدوية التي تزيل مجموعات الميثيل من الحمض النووي يمكن أن تُنشط على الأرجح مئات من الجينات في الخلايا السليمة، أي تحولها من off إلى on، بما في ذلك الجينات المسرطنة المعروفة، هناك قلق من أن تلك الأدوية يمكنها علاج نوع من السرطان ولكن قد تسبب نوع آخر.
Many cancer biologists have come to think that DNA methylation, a process in which enzymes tack methyl groups onto genes and block their activity, and other so-called epigenetic changes might be as important as genetic mutations in causing cancer.
Now a so-called epigenetics dream team has received more than $9 million from a glitzy Hollywood campaign called Stand Up To Cancer to help fund the first phase II clinical trials to test DNA demethylating drugs—already used successfully to treat a blood cancer—for solid tumors such as lung cancer.
The idea is not to kill cancer cells but to correct their DNA methylation and thereby "reprogram" them to behave more normally.
But some scientists worry that instead of resetting epigenetic patterns, the primary drug being tested simply kills cells, whether cancerous or healthy ones, and therefore has toxic side effects. Precisely how the treatment works isn't yet known.
And because drugs that remove methyl groups from DNA can potentially switch on hundreds of genes in healthy cells, including known oncogenes, there is concern that the drugs could cure one kind of cancer but cause another.


وتصف ورقة في علم الطب التحليلي استخدام علامات فوق وراثية للتنبؤ بأي مرضى سرطان الكبد سيستجيبون لدواء مضاد للسرطان الذي يمنع مثيلة الحمض النووي.
A paper in Science Translational Medicine describes the use of epigenetic markers to predict which liver cancer patients will respond to an anticancer drug that blocks DNA methylation.

كما وقد أجرى دين أورنيش Dean Ornish بحثًا تجريبيًا هامًا رائدًا على مرضى سرطان البروستاتا بعنوان "التغيرات في التعبير الجيني للبروستاتا في الرجال الذين يخضعون لتغذية مكثفة وتدخل في نمط الحياة" Changes in prostate gene expression in men undergoing an intensive nutrition and lifestyle intervention. البحث منشور في عام 2008 على مجلة PNAS الصادرة عن Natural academy of science
هدفت دراسته التجريبية إلى فحص التغيرات في التعبير الجيني للبروستاتا لدى عينة من الرجال المصابين الذين رفضوا الجراحة الفورية، أو العلاج الهرموني، أو الإشعاع، وشاركوا فقط في التغذية المكثفة الصحية والتدخل في نمط الحياة (ممارسة اليوجا، والتنفس، والتأمل، والتصور، والاسترخاء التدريجي) في حين خضعوا لمراقبة دقيقة لتطور الورم.
أشارت النتائج إلى أن التغييرات الشاملة في نمط الحياة قد تعدل تطور سرطان البروستاتا؛ فبعد ثلاثة أشهر من التدخل، وُجد نشاطًا أعلى في 48 جينًا من الجينات المؤثرة في نمو السرطان، في حين صار 453 جينًا أقل نشاطًا.

وليس السرطان وحده هو الذي تُجرى الدراسات فوق الوراثية لأجل التوصل إلى سُبل توقف نمو أورامه، وشُرع في البحث له عن علاجات باستخدام تقنيات فوق الوراثة، بل جميع الأمراض التي يُعتقد أن هناك استعداد وراثي لدى الأفراد للإصابة بها كالربو، والألزهايمر، والسكري، واضطرابات المناعة، وأمراض الكلى، وضمور العضلات، وكذلك الاضطرابات النفسية بما في ذلك التوحد، والفصام، والاضطراب ثنائي القطب، جاري العمل من أجل خلق علاجات فوق وراثية لها.
الألزهايمر على سبيل المثال، من أكثر الأمراض التي يهتم العلماء بالبحث عن طرق لوقف نشاط الجينات المسؤولة عنه، وأثبتت إحدى الدراسات منذ سنوات تأثير طريقة التغذية في وقف تدهور المرض، ونصحت بتناول زبدة جوز الهند يوميًا.

المورثات الغذائية
لعل الغذاء أكثر العوامل البيئية التي يعتني علم فوق الوراثة بتحديد آثارها على التعبير الجيني وإنتاج البروتينات، ومن قديم لاحظ الإنسان تأثير التغذية على سلوك البشر والحيوانات، وكيف تغير طريقة التغذية إحدى النحلات لتصير ملكة بينما تبقى باقي الرعايا شغّالات. ووعى البشر كيف تؤثر تغذية الأم على الجنين، لكن تصورهم لأثر التغذية صار أعمق بعد المكتشفات الحديثة في علم فوق الوراثة.

وهناك اكتشافات كثيرة حديثة حول تأثير لبعض المركبات الكيميائية في الأغذية التي نتناولها على الحمض النووي DNA. على سبيل المثال: الكربوهيدرات التي تعزز ارتفاع نسبة الجلوكوز في الدم تهاجم الحمض النووي. بينما مركبات مثل سولفورفان sulforaphane (في القرنبيط)، والكركمين curcumin  (الكركم)، وإبيجالوكاتشين جالات epigallocatechin gallate (الشاي الأخضر)، يمكن أن تبطئ أو يحتمل أن تعكس تلف الحمض النووي.

كما أثبتت كثير من الدراسات منذ عقود العلاقة بين تناول الطعام الصحي وانخفاض مخاطر الإصابة بأمراض القلب والسكر وغيرها.
لكن الجديد هو الدراسات التي أشارت إلى التأثير فوق الوراثي لنوعيات الطعام الصحية على وقف نشاط الجينات التي تشكل عوامل إمراض تسبب تلك الأمراض. والعكس بالنسبة للأطعمة السريعة غير الصحية والتي تنشط الجينات الممرضة، وتؤثر على جينات الجهاز الهضمي سلبًا، خاصة جينات الكبد.

عوامل أخرى بخلاف الغذاء
أشارت دراسات عديدة أيضًا إلى تأثيرات عوامل أخرى بخلاف الغذاء على التعبير الجيني، فعدم كفاية النوم أيضًا تعطل النشاط الجيني. قام فريق من الباحثين شمل خبراء في علم النوم وخبراء علم الوراثة بفحص تأثير النوم على وظيفة الجينات واكتشفوا أن أسبوعًا واحدًا فقط من النوم غير الكافي غيّر نشاط أكثر من 700 جين.
  كذلك فإن من المقبول تمامًا أن ممارسة الرياضة البدنية هي واحدة من أفضل الأشياء التي يمكن القيام بها لصحتك العامة والعقلية. الآن هناك أدلة على أن ممارسة الرياضة البدنية يمكن أن تؤثر بشكل إيجابي على التعبير الجيني. دراسة حديثة لأدمغة الفئران المُسنة وجدت 117 جينًا تم التعبير عنها بشكل مختلف في أدمغة الحيوانات التي ركضت بانتظام، بالمقارنة مع تلك التي كانت مستقرة.
Inadequate sleep also disrupts genetic activity. A team of researchers that included sleep science and genetics experts examined the influence of sleep on gene function and discovered that just a single week of insufficient sleep altered the activity of over 700 genes.
It’s well accepted that physical exercise is one of the best things you can do for your overall health and mental well-being. Now there’s evidence that physical exercise can positively affect gene expression. A recent study of the brains of elderly mice found 117 genes that were expressed differently in the brains of animals that ran regularly, compared to those that were sedentary.

نتابع في الجزء الثاني من المقال علم فوق الوراثة(2).. هل ينسف مفهوم الطفرة؟!‏، ونتناول فيه تأثير المكتشفات الجديدة في علم فوق الوراثة على نسف مفهوم الطفرة، وما يستتبعه.
وتعتبر الطفرة الآلية التي طالما افترضها البيولوجيون التطوريون أساسًا لحدوث التطور؛ كونها تعطي تفسيرًا –وفقًا لنظريتهم- لاختلاف التركيب الجيني في جينومات الأنواع الحية المختلفة التي يفترض التطوريون أنها تطورت من بعضها البعض، فماذا بعد تأكد ثبات تركيب الجين رغم تغير التعبير الجيني عنه في العديد والعديد من الدراسات؟! يا له من مأزق!


*************************
علم فوق الوراثة (2).. هل ينسف مفهوم الطفرة؟!

ذكرنا في المقال السابق علم فوق الوراثة (1).. كيف تؤلف قصتك البيولوجية؟!‏ أن علم فوق الوراثة هو دراسة أي عملية تغير نشاط الجينات دون تغيير تسلسل الحمض النووي. ‏فهو يختص بدراسة التعبير الجيني؛ كيف تُشغل وتطفئ العوامل البيئية الجينات، ‏وكيف تتحكم في نشاطها صعودًا وهبوطًا.‏ وأشرنا إلى أن الدراسات التي أثبتت دور المحددات البيئية (فوق الوراثية) في تحديد صفاتنا وإمكانية إصاباتنا بالأمراض قد قلّصت تمامًا مفهوم الطفرة الوراثية، الذي عوّل عليه العلماء كثيرًا في تفسير التغير في التعبير الجيني. فما هي الطفرة؟

الطفرة
في أوائل القرن العشرين، وجد أنصار نظرية التطور أنفسهم في ورطة كبيرة بعد وضع مبادئ علم الوراثة؛ إذ أنه قد ثبت يقينًا أن الصفات ‏المكتسبة لا تورث، بينما نظرية التطور كلها تقوم على فكرة ترقي الأنواع الحية بعد تولد صفات ‏جديدة قابلة للتوريث!
لم يكن أمام التطوريين بد من إدخال فرضية جديدة لإنعاش النظرية المحتضرة، هذه الفرضية ‏تدّعي إمكانية حدوث تغير في المادة الوراثية وتوليد مادة وراثية جديدة، ثم توريث هذه المادة الوراثية ‏الجديدة. عُرفت هذه الفرضية الناشئة باسم الطفرة.‏
إذًا، تعتبر الطفرة الآلية التي طالما افترضها البيولوجيون التطوريون أساسًا لحدوث التطور؛ ‏كونها تعطي تفسيرًا –وفقًا لنظريتهم- لاختلاف التركيب الجيني في جينومات الأنواع الحية ‏المختلفة التي يفترض التطوريون أنها تطورت من بعضها البعض.
فالطفرة كما تعرفت إلينا طوال القرن العشرين: هي تغير مفترض في ‏الحمض النووي ‏DNA، والذي هو كتاب شفرة الحياة ‏لكل فرد من أي نوع، يُفترض أنه ينشأ ‏عنه تغير في التعبير الجيني، ومن ثم تغير في الصفة على المستوى الظاهري.‏
‏"مفهوم الطفرة= تغير جيني ينتج عنه تغير ظاهري"‏
وقبل أن نناقش المأزق الذي وجد التطوريون فيه أنفسهم في ضوء مستجدات علم فوق الوراثة، بعد اكتشاف ثبات ‏تركيب الجين بعد حدوث تغيرات بيئية، وأن استجابة الجين لتلك التغيرات لا تتعدى تغير التعبير الجيني عنه، نناقش أولًا أهم ما اعتُبر مسلمات حول الطفرة طوال القرن العشرين، ثم الجدل العلمي المتزايد حول حقيقة السرطان كأحد أهم الأمراض التي طالما اعتبُرت ناتجة عن طفرات.

مسلمات التطوريين حول الطفرة

·        يفترض التطوريون أن الطفرة:
                               i.            ينتج عنها إما ظهور صفات مناسبة للنوع ولكن كان لا يُفترض ظهورها في ‏ذلك الفرد الممثل للنوع الحي؛ كظهور صفة العين الزرقاء في طفل لا يحمل والداه هذه الصفة في طرزهما ‏الجينيين، وبهذا تكون الطفرة مسؤولة عما يسمونه التطور الصغروي. وهو ما سنناقشه تفصيلًا وندحض ادّعاءات التطوريين حوله في الحلقة الثالثة من هذه السلسلة.
                             ii.            كما قد ينتج عنها حدوث تشوه في الأجنة يُنتج صفات غير مرغوبة ولا تمثل أي شكل من ‏أشكال الطُرز المظهرية السليمة للصفة في ذلك النوع، ولكن هذا التشوه لا يُخرج الفرد المشوه عن كونه أحد أفراد النوع.‏
                           iii.            وكذا فالطفرة هي المسؤولة –وفقًا لنظريتهم- عن توليد المعلومات الجينية الجديدة في جينومات الأنواع الجديدة المفترض نشوئها؛ إذ يفترضون أنه باستمرار حدوث الطفرات لفرد من نوع ما سينتج عنه في النهاية ظهور نوع ‏جديد.‏ بالتالي فإن البناء التراكمي عن طريق الطفرات هو الآلية المفترضة للتطور الكبير الذي تحدث عنه دارون، والذي هو أساس النظرية.
·        ومعلوم أن الطفرات التي تحدث في خلايانا الجسدية لا يمكن الادّعاء بشأن توريثها، كما أنه نظرًا لأن جميع خلايا جسم الفرد مستنسخة من خلية واحدة التي هي البويضة الملقحة بالحيوان المنوي، ‏لذلك فالاحتمالية الوحيدة التي يفترضونها لتوريث الطفرة هي أن تحدث في أحد المشيجين الذكري أو الأنثوي الذين اندمجا لتكوين الزيجوت، الذي سينقسم لينشأ عنه الجنين.
·        ولا زال التطوريون الجُدد يُصرّون على هذه الآلية رغم أنه قد ثبت علميًا أن الطفرات الكروموسومية والجينية في الأمشاج الجنسية (الجاميتات) المذكرة أو المؤنثة إما أن تؤدي إلى موت أو تشوه الأجنة أو إصابتها بأمراض خطيرة كاللوكيميا والتخلف العقلي. ولم يحدث أن شاهدنا على كثرة الأنواع الحية والأفراد التي تمثلها أي صفة جديدة نشأت.
·        ويفترض التطوريون أنه قد تحدث الطفرات طبيعيًا، ولكنها نادرة، بسبب وجود آليات لإصلاح أخطاء النسخ في الحمض النووي DNA، كما أنها قد تحدث صناعيًا نتيجة تعرض الفرد لما يسمونه عوامل التطفر مثل الإشعاع والمواد الكيميائية الضارة وبعض العقاقير الطبية، وكلها ضارة؛ لذا يُطلب من مرضى السرطان الذين يرغبون في الإنجاب حفظ بويضات وحيوانات منوية في بنوك الجينات قبل بدء العلاج الكيميائي أو الإشعاعي كي تُستخدم في التلقيح الصناعي بعد ذلك لإنجاب أطفال أصحّاء؛ لأن علاجات السرطان تؤثر على الجهاز التناسلي سواء للذكر أو الأنثى؛ مما يؤدي إلى تلف البويضات أو الحيوانات المنوية. وقد عانى اليابانيون كثيرًا من تأثيرات الإشعاعات النووية للقنبلتين النوويتين اللتين أُلقيتا على هيروشيما وناجازاكي في نهاية الحرب العالمية الثانية.
·        الطفرات ضارة عمومًا
                                                i.            وحتى ما تم الادّعاء بشأنها أنها طفرات مفيدة كالطفرات التي تُمكِّن البكتريا من مقاومة المضادات الحيوية، فهي في حقيقتها تثبيط للجين الذي من المفترض أن ينشط في الظروف الطبيعية الخالية من المضاد الحيوي لينتج نوع من البروتين في جدار الخلية البكتيرية، لكن لأن هذا البروتين من خلاله يتفاعل جدار الخلية البكتيرية مع المضاد الحيوي، فإن الخلية البكتيرية عطّلت عمل الجين كي لا ينتج البروتين لوقف التفاعل مع المضاد الحيوي؛ للحفاظ على حياتها. أي أنها تغير في التعبير الجيني وليست طفرة في التركيب الجيني كما ادّعى التطوريون.
                                              ii.            كما اعتقد العلماء بدءًا من النصف الثاني من القرن العشرين، وبناءً على الدراسات الرائدة في معهد باستير في باريس، أنه قد يحدث تنشيط لمعلومات جينية مثبّطة في جينوم النوع الحي استجابة لظروف البيئة؛ وبالتالي فليس ثمة معلومات جينية جديدة متولِدة، وهو ما تفترضه نظرية التطور كأساس للانتواع. الأهم أن تنشيط الجينات المعطّلة لم يعد يُنظر إليه حاليًا على أنه نتيجة طفرات، فلم يحدث تغيير في تركيب الجينات، والأمر لا يعدو أن يكون استجابة للتغيرات في نمط الحياة، بالتالي فهو يتبع الآن علم فوق الوراثة بلا جدال.
                                            iii.            لكن التطوريين يطلبون من العالم التصديق بأنه كانت توجد طفرات مفيدة، أضافت معلومات جينية جديدة، وغيّرت تسلسلات الجينومات للأسلاف، نتجت عنها صفات جديدة عديدة، كانت قابلة للتوريث، وسبّبت نشأة كل هذه الأنواع التي عمرت الأرض، قديمًا وحديثًا، ولكنها فقط لا تظهر لنا الآن، وتتخفّى عنا منذ كُتِب تاريخ البشر!
·        كما أن معظم ما أُشير إليه على أنه طفرات طوال القرن العشرين يُعزى إليها توريث صفات متنحية، وبغض النظر عن صحة توصيفها كطفرة في تركيب الجين، فالصفات المتنحية لا تظهر إلا إذا اجتمع في الابن جينان متنحيان يحملان ‏نفس الصفة الوراثية المفترض أنها ناشئة من الطفرة؛ ‏مما يدعونا للتساؤل عن احتمالية نشأة تلك الصفات ابتداءً في أفراد مختلفين، بينما التطوريون في المقابل يصرون على أن أي طفرة قابلة للتوريث لا بد وأنها نشأت في السلف المشترك، ومن ثم تم نقلها لجميع أفراد الأنواع الناتجة منه، متجاهلين أنه لا بد من سلفين؛ ذكر وأنثى، لأن السلف المشترك المطفور –لو سلّمنا بوجوده ووجود الطفرة- لا يصلح لتفسير توريث الطفرات المتنحية في الأنواع التي تتكاثر جنسيًا؛ إذ كيف تكونت أنثى مماثلة في النوع ولديها نفس نسخة الصفات التي تكونت عشوائيًا في الذكر؟!

لكن، هل سيسمح التطوريون بسقوط فرضية الطفرة؟
كما يتضح أعلاه فإن كثيرًا مما اعتُبر مسلمات طوال القرن العشرين عن مفهوم الطفرة صار مثارًا لتساؤل الباحثين مع الثورة العلمية الهائلة في علوم الكيمياء الحيوية والوراثة، والتي أُضيف إليهما مؤخرًا علم فوق الوراثة.
وكثيرًا ما طوّر التطوريون فرضياتهم عندما تتهلهل تمامًا، وتصبح محاولات ترقيعها مستحيلة. ولا زالت تلك عادتهم عندما تفشل فرضياتهم فيخرجون علينا من جرابهم الأشبه بجراب ‏الحاوي ‏بفرضيات جديدة. ‏على سبيل المثال:
·        عندما ثبت يقينًا أن قرب وبعد الأنواع المفترض على شجرة التطور لا يتوافق مع دراسات الحمض النووي ‏DNA‏ ‏للأنواع الحية، وأن هذه الشجرة لا تعطي ‏صورة كاملة عن تطور الحياة ولا تستطيع أن تفسر التعقيدات فيها، فبدلًا من اقتلاعها والاعتراف بأن تفرع طائفتين فما أقل من سلف واحد وبشكل ‏متراتب أمر يستحيل تخيله علميًا، قرروا استبدالها بشكل شبكي لتتواءم مع عشوائية فرضياتهم ‏حول الأسلاف المشتركة، وإن كان بناء الشبكة لم يتم بعد. (1) (2)

·        وعندما اكتُشفت حفريات كثيرة تشير إلى انفجارات لأنواع حية كثيرة في أزمنة غابرة، لا يوجد أدنى دليل على أنها تطورت من بعضها البعض، ولا يظهر فيها التطور التدريجي الذي تفترضه الداروينية، صاروا يروجون في الفترة الأخيرة لنظرية "التوازن النقطي" التي وضعها نيلز إيلدردج وستيفن جولد ‏أوائل السبعينات، والتي اعترفت بأن السجل الأحفوري لا يظهر التدرج في ظهور الأنواع الحية الذي تفترضه الداروينية، وافترضوا حدوث نقلات نوعية ضخمة وكبيرة تولدت عنها الأنواع الحية فجأة. وصار كثير من التطوريين يقولون بثبات الأنواع ثم حدوث تطور فجائي، لتفسير ظهور أنواع حية جديدة في حقبة ما، لأن البديل بالنسبة لهم هو الاعتراف بنشأة الأنواع الحية بشكل تدريجي ولكن بالخلق الخاص، وهو ما يعني القضاء على نظريتهم. سبق أن تحدثنا عن تلك الفرضية غير الداروينية في مقال "الله الخلّاق".

·        وبعد أن تهلهلت فرضيتهم حول نشأة ‏الإنسان منتصب القامة في شرق أفريقيا بسبب تغيرات جيولوجية أحدثت بدورها تغيرات بيئية، والتي ناقشنا خواءها في مقال "التطور والجغرافيا الحيوية (3) لماذا يبحثون عن أسلاف الإنسان في إثيوبيا؟!"، ‏خرجوا علينا قريبًا –في يونيو 2017- بفرضية تدّعي أنه يبدو أن الإنسان الحديث قد نشأ في غرب أفريقيا، وتحديدًا في المغرب، ثم ‏يبدو أنه تحسبًا منهم للزمن، وإتاحة لأكبر قدر من المرونة –والنظرية مرونتها زائدة كما نعلم- فما ‏لبثت أن تعدّلت الفرضية سريعًا بأن الإنسان الحديث نشأ في أفريقيا كلها، وفي عدة مهود وليس مهدًا ‏واحدًا.‏

لكن، في حال الطفرة تحديدًا، فهي ليست كأي فرضية يمكن استبدالها بفرضية أخرى. مع ذلك فقد أصبح هناك اعتراف متزايد بقصورها كفرضية في تفسير ظهور التنوع الجيني المهول على الأرض.
في السنوات الأخيرة ظهر ما يُعرف بأصحاب الاتجاه الثالث في التطور، والذين يطعنون في الطفرة! يذكر موقعهم الرسمي أن "سجل الحمض ‏النووي لا يدعم التأكيد على أن الطفرات العشوائية الصغيرة هي المصدر الرئيسي للتنوعات ‏الجديدة والمفيدة". ‏
The DNA record does not support the assertion that small ‎‎random mutations are the main source of new and useful variations‏.‏
ولا نجد من يخبرنا في المقابل عن المصدر المقترح الذي يدعمه سجل الحمض ‏النووي!؛ فهم لا يبرحون يتحدثون عن الطفرات ولكن بطرق أخرى وأهمها التضاعف الجيني.‏ لكن هذا الافتراض لا يجد ما يدعمه من دراسات ‏DNA‏ الحديثة، فأي زيادة أو نقص في الجينات ‏يولد خللًا، وليس كما يحاول التطوريون إيهامنا بأن فردًا تضاعفت بعض جيناته، ثم تطفّرت، ‏ونتيجة التعبير الجيني عن تلك الشفرة المختّلة نتجت بروتينات غريبة، ثم أن هذا الفرد لم يتأثر!، ‏ثم ورّث ذلك التطفر الهائل لأبنائه!‏
وسبق أن تحدثنا عن طبيعة الأثر الذي يفترض التطوريون أن الطفرات تحدثه لأجل توليد معلومات جينية جديدة في مقال "هل بُنيت الأنظمة الحيوية باستخدام سقّالات؟!‏"

كما قد سبق وذكرنا أن الطفرة ذاتها لم تكن من فرضيات النظرية في صورتها الأولى التي وضعها دارون، ولكنها أضيفت في مطلع القرن العشرين لإنعاش النظرية بعد الضربة الموجعة الأولى التي وجهها لها علم الوراثة، فماذا عن الاكتشافات الحديثة في علميّ الوراثة وفوق الوراثة، وهل استجد حقيقةً من المكتشفات ما يُشكل تهديدًا مباشرًا لمفهوم الطفرة، ويمكن أن ينسفها ‏لولا تمسك التطوريين بها؟!‏

السرطان، هل ينشأ من طفرات في الجينات أم من تغير في نشاط الجينات؟!
كان ملحوظًا للعلماء منذ القرن العشرين أنه قد تحدث حالات ترجمة للشفرة الوراثية التي تحملها الخلايا بطريقة مختلفة عن المعتاد، وكان يتم ‏عزوها إلى ‏‏الطفرات، والسرطان هو أكثر الأمراض التي طالما أُشير لأثر الطفرة في نشوئها.
السرطان في حقيقته هو خلل في ضبط الانقسام الخلوي؛ فمن المعروف أن الخلايا السرطانية تنشأ عندما تنقسم خلايا يتميز انقسامها بالانتشار غير المنضبط، والتي يفقد الجسم السيطرة على انقسامها، على العكس من انقسام الخلايا الصحيحة والذي يتحكم فيه الجسم.
ويستلزم العلاج التدخل الطبي لإزالة جميع خلايا الورم السرطاني جراحيًا أو قتلها بالعلاج الإشعاعي أو الكيميائي، لأن بقاء خلية واحدة من تلك الخلايا كفيلة بالانقسام مجددًا وتكوين الورم مرة أخرى.
كان يُعتقد أن السرطان يحدث نتيجة عدة أنواع من الطفرات:
·        طفرة أولية في أي من الجينات المسرطنة الأولية Proto-oncogenes، والتي تم التعرف على أكثر من 50 جين منها. هذه الجينات افتُرض أنها تتحول إلى جينات مسرطنة مسببة لحدوث بداية الورم عند حدوث الطفرة بها.
·        كما افتُرض حدوث طفرات في بعض الجينات التي تكبح أي نمو عرضي للخلايا، مما يجعل الانقسام غير المنضبط يستمر، وتنتج خلايا سرطانية معيبة ابتدائية.
·        ثم تحدث طفرات متعاقبة في الخلايا السرطانية التي تنقسم بالآلاف من بعضها البعض أثناء تكون الورم؛ ‏حيث كان يُعتقد في ضوء نظرية الطفرات أن الخلايا السرطانية تغير تركيبها الجيني، بما يجعل كل خلية في الورم مختلفة تمام الاختلاف عن الخلايا الأخرى نتيجة الطفرات التي تحدث لها جميعًا، مما يجعل علاج السرطان صعبًا للغاية، خاصة عندما يتأخر علاجه ويزيد حجم وعدد تلك الخلايا.
وقد افترض العلماء في ظل نظرية الطفرات في الآونة الأخيرة أن نشوء جينات الورم الأولية يكون بسبب حدوث طفرة في مستقبلات عامل من عوامل النمو –الذي تنتجه جينات الورم الأولية-؛ بحيث يصبح نشط دائمًا. واعتبروا هذا التغير في النشاط الجيني طفرة سائدة.
كما اعتبروا تعطّل بعض الجينات التي تكبح أي نمو عرضي للخلايا وتوقف نشاطها الجيني هو نوع آخر من الطفرات لكنه طفرة متنحية، فأي جين من الجينات الكابحة لتكون الورم السرطاني لا بد أن يفقد كلا زوجي ‏الجين قدرته على كبح نمو الخلايا السرطانية كي يحدث السرطان.
فلطالما اقترح منظرو الطفرة أن أي تغير في التعبير الجيني، بالتنشيط أو التعطيل، لا شك ناتج عن تغير في شفرة الجينوم، أي أن تركيب الجينات ذاتها يتغير. ‏لكن بعد الاكتشافات الأخيرة في علم فوق الوراثة، والتي أثبتت أن التغير في التعبير الجيني لا يلزم منه أن تركيب الجين ذاته قد تغير، أصبح ولا بد أن يثور السؤال الآتي:
هل الجينات تتطفر ويتغير تركيبها الجيني فيحدث السرطان كما كان يُعتقد، أم أن العوامل فوق الوراثية (البيئية) تُنشِّط بعض الجينات التي يُشك أن لنشاطها أثر مُسرطن؟ كما قد تُعطِّل نشاط الجينات التي يرتبط نشاطها بمنع حدوث السرطان؛ الجينات التي تكبح أي نمو عرضي للخلايا والمصححة للانقسام الخلوي؟
بمعنى أن العوامل فوق الوراثية كالتدخين والأشعة فوق البنفسجية تجعل الجينات تقرأ الشفرة الوراثية بشكل سيء رغم ثبات الشفرة وعدم تغير الجين، وتغير التعبير الجيني وحسب، فتنتج بروتينات سيئة، وتتكون الخلايا السرطانية.

الجينات المانعة والمصححة للسرطان

كان يُعتقد أن الخلايا السرطانية تنمو بالانقسام الخلوي غير المنضبط، بسبب حدوث طفرة في بعض الجينات التي تكبح أي نمو عرضي للخلايا (الجينات المانعة للسرطان). من أمثلتها وأهمها جين يُطلق عليه P53. وبالتالي كان يُنظر إلى الخلايا السرطانية على أنها خلايا متطفرة.
هذا الجين P53 مسؤول عن إنتاج بروتين يحمل نفس الاسم، وظيفته التحقق من سلامة الحمض النووي DNA وعدم تعرضه لأي ضرر أثناء الانقسام الخلوي، فإذا اكتشف هذا البروتين وجود ضرر لحق الحمض النووي فإنه يوقف الانقسام الخلوي، ويُحفز نشاط الإنزيمات الخاصة بإصلاح الضرر، ولا يسمح باستئناف الانقسام الخلوي إلا بعد تمام الإصلاح. وفي حال تعذر إصلاح الخلل في DNA، فإن هذا البروتين يرسل إشارات إلى الخلية لقتل نفسها.
فنظرًا لوجود آليات للإصلاح الذاتي للخلايا تعتمد على تلك الجينات التصحيحية فإن ظهور أي خلية من الخلايا السرطانية النامية بشكل عشوائي يتم اكتشافه ومن ثم يتم إصلاحها أو تدميرها حال ظهورها قبل أن تتحول إلى ورم كامل؛ حيث تُرسل الجينات التصحيحية تعليمات لقتلها؛ لأن وجود خلية واحدة معيبة يمكن أن يُشكل ورمًا سرطانيًا به ملايين الخلايا المعيبة في حال استمرار انقسامها.
وهناك دراسات عديدة درست آليات الإصلاح الذاتي في الخلايا، وكانت جائزة نوبل الأخيرة في الطب عام 2016 من نصيب أحد الأطباء الذين بحثوا في تلك الآليات، وحدد الجينات الضرورية للالتهام الذاتي.
لكن مع وجود تلك الآليات في خلايانا، يحدث السرطان أحيانًا، وفي العقود الأخيرة صار يحدث كثيرًا، وهذا يدل على أن آليات الإصلاح الذاتي لم تعد تقوم بدورها كما يجب. وفقًا لنظرية الطفرات المسببة للسرطان لم يكن هذا مفهومًا تمامًا، لكن في ضوء المكتشفات الحديثة في علم فوق الوراثة يمكن تفسير ذلك بأن الجينات التصحيحية قد تم تثبيطها وصارت على الوضعية off، فلم تعد تنشط لأداء دورها، ولا شك أن لظروف نمط الحياة الحديثة أثرها على تثبيط عمل الجينات التصحيحية وتثبيط كبحها أي نمو عرضي للخلايا ابتداءً، مثلما أن لها أثرها في تنشيط الجينات المسرطنة.
ووفقًا لنظرية الطفرات اعتُبر التدخين والتعرض لأشعة الشمس خاصة فوق البنفسجية عوامل خطر تسهم في إحداث الطفرات المسببة للسرطان، ولكن في ضوء مكتشفات علم فوق الوراثة فهي عوامل تؤثر بشكل سلبي على التعبير الجيني لتنشطه أو تثبطه وتغير نواتجه، محدثة لنا المرض دون أن يتغير التركيب الجيني للخلايا.
إن زيادة أعداد حالات مرضى السرطان والأمراض النفسية وكثير من الأمراض التي شاعت في عصرنا كالألزهايمر دليل على وجود مسببات لها في نمط حياتنا المعاصر.

تزايد الاعتراف بالمؤثرات فوق الوراثية على حساب الطفرات
في العقد الأخير تزايد الاعتراف بالمؤثرات فوق الوراثية كمسبب للأمراض خاصة السرطانات بأنواعها، والتقليل في المقابل من قيمة الطفرة التي كان يُنظر إليها طوال قرن كامل كمسبب وحيد للسرطانات.
في كتابهما ذائع الصيت "الجينات الفائقة" كتب تانزي وشوبرا ‏ Tanzi and Chopra "5٪ فقط من المرض يتعلق بالطفرات الجينية وهي حتمية تمامًا، في حين أن 95٪ يمكن أن يتأثر بالنظام الغذائي، والسلوك، والظروف البيئية الأخرى. لكن النماذج الحالية للرفاه تتجاهل إلى حد كبير الجينات، إلا أن الدراسات أظهرت أن برنامج تغيير نمط الحياة الإيجابي يغير من 4000 إلى 5000 نشاط جيني مختلف".
In Super Genes they write: ”Only 5% of disease-related gene mutations are fully deterministic, while 95% can be influenced by diet, behavior, and other environmental conditions. Current models of well-being largely ignore genes, yet studies have shown that a program of positive lifestyle changes alter 4,000 to 5,000 different gene activities.”
 
ويعتقد العديد من علماء البيولوجيا السرطانية حاليًا بأن مثيلة الحمض النووي DNA، وهي عملية تقوم فيها الإنزيمات بتثبيت مجموعات الميثيل على الجينات وعرقلة نشاطها، وما يسمى بالتغيرات فوق الوراثية الأخرى، قد تكون ذات أهمية مثل الطفرات الوراثية في إحداث السرطان.
Many cancer biologists have come to think that DNA methylation, a process in which enzymes tack methyl groups onto genes and block their activity, and other so-called epigenetic changes might be as important as genetic mutations in causing cancer.

نلاحظ من تلك النقول السابقة أنه قد أصبح للمنظور فوق الوراثي اعتبارًا وقيمة كبيرة، لكن في المقابل لا زال هناك من يراهن على حدوث تغير في بنية الحمض النووي ذاته، وإن كانت تغيرات صغيرة، بما يعني حدوث طفرات، وليس مجرد تغير في التعبير الجيني، كما أنه لا زال هناك من يعتبر أن تعطيل الجينات أو تنشطيها استجابة للبيئة هو شكل من أشكال الطفرات الجينية!
في معهد أبحاث السرطان في بريطانيا، أُجريت دراسة جينية كبيرة عام 2013، أخذ الباحثون عينات من مرضى أنواع مختلفة من السرطانات (سرطان الرئة، وسرطان الجلد، وسرطان المبيض) للبحث في جينوماتهم عن آثار للطفرات السرطانية المفترضة. وفقًا للأطباء المشاركين في الدراسة فقد كانت هناك شواهد على الضرر في الحمض النووي، لكن الباحثين أيضًا لم يستطيعوا تجاهل تأثيرات البيئة الواضحة على الحمض النووي للمرضى، فقد كان واضحًا آثار التعرض للأشعة فوق البنفسجية على جينوم مرضى سرطان الجلد، وآثار التعرض للتدخين على مرضى سرطان الرئة. الأهم أن القدرة على إصلاح الحمض النووي كانت مفقودة لدى هؤلاء المرضى.
يمكنني القول أن نتائج الدراسة الأخيرة وإن لم تستبعد وجود الطفرة تمامًا، بل على العكس كانت تبحث عن شواهد تؤيدها، فإنها قد أثبتت آثار العوامل فوق الوراثية في إحداث السرطان، والتأثيرات السلبية لبعضها على نشاط الجينات التصحيحية لدى مرضى السرطان.
كذلك، وفي تقرير علمي نشرته هيئة الإذاعة البريطانية bbc عام 2014 اعتبر العلماء البريطانيون المشاركون في الدراسة أن إيقاف عمل أحد الجينات، ويعرف ويعرف باسم (POT1)  وهو اختصار (Protection of telomeres1)، ما هو إلا طفرة جينية! وافترض الباحثون أن الطفرات في هذا الجين تؤدي إلى إلحاق الضرر بالكروموسومات الوراثية، وهو ما يرتبط عمومًا بتكون السرطان.
وهذا الجين هو المسؤول عن الحفاظ على منطقة التيلومير، وهي منطقة الذيل في الكروموسومات أو ما تُسمى بالقطع النهائية، ولها أهمية كبيرة في عملية تضاعف الحمض النووي، ولو كانت غير موجودة أو غير سليمة لحدث فقدان لمعلومات وراثية مهمة، واختل عمل الخلايا والبروتينات الناتجة من شفرتها الوراثية. ولكن هل وقف نشاطه يعتبر طفرة؟!

كما توجد علاجات وقائية لمنع عودة السرطان تعتمد على تقنيات فوق الوراثة، مثل بروتين (B-RAF) الذي يُثبِّط الجينات التي يمكن أن يؤدي نشاطها إلى سرطان الجلد، ويشارك هذا البروتين في إرسال إشارات داخل الخلايا تسهم في توجيه نمو الخلايا بشكل سليم. هذا البروتين من المفترض أن ينتجه جسم الإنسان السليم طبيعيًا، من خلال جين يُعرف باسم BRAF gene.
وقد أشارت دراسة عام 2002 إلى اختلاف نشاط ذلك الجين لدى مرضى بعض أنواع السرطان، كسرطان الجلد، واعتُبر هذا الاختلاف في النشاط الجيني طفرة، كما اعتُبر توريث تلك الاختلافات التي اعتُبرت تطفرات في جين BRAF مسببة للعيوب الخلقية منذ الميلاد. باختصار، لم يُنظر إليها وقتها كتغيرات في التعبير الجيني أدت إلى وقف نشاط ذلك الجين، هذه التغيرات يمكن أن تورث رغم عدم تغير تركيب الجين ذاته، وهو الاتجاه التفسيري لكثير من العلماء حاليًا الذين يتبنون المنظور فوق الوراثي، لكن لا زال هناك من يتبنى في المقابل نظرية الطفرة، خاصة البيولوجيين التطوريين.

إن فهم العلماء للطرق التي يمكن أن يُنظّم بها الجين الواحد للتعبير عن بروتينات مختلفة، والتي يتعطل بها فيتوقف نشاطه تمامًا أو يقل، ‏لا زال ضحلًا وفي بداياته، ولكن من الواضح أن مفهوم الطفرة كما عُرف إلينا طوال ‏القرن العشرين في طريقه للتعديل ما لم يُنسف تمامًا في ضوء ما يستجد من دراسات؛ لأن الطفرة تفترض حدوث تغير في الصفة على ‏مستوى الطُرز الجيني للفرد يُعبَّر عنها من خلال طُرزه المظهري، ‏بينما وفقًا للمعطيات من الدراسات الحديثة في علم فوق الوراثة فإن:
أغلب الحالات التي اعتُبرت قديمًا طفرة قد تأكد أن الأمر لا يعدو فيها إنتاج بروتين مختلف من خلال ‏نفس الجين الذي لم يتغير، أو تنشيط جين معطّل، أو تثبيط جين نشط، وهو ما يخرجها عن توصيف الطفرة.
لكن، لا زال العلماء ينظرون إلى التشوهات الخلقية على أنها ظهور صفات غير مناسبة ‏للنوع في التركيب أو الوظيفة أو كليهما، ولكن كيفية ترجمة الجين للشفرة بحيث تنتج ‏تشوهًا لم تعد واضحة بعد تأكد تولد بروتينات مختلفة من جين واحد وكل منها ‏لا يحدث تشوه. فما الذي يحدث التشوه؟!!‏، وهل هذه فقط هي حدود الطفرة التي يمكن أن تحدث في بنية الجين ذاته، لينتج عنها جين غير سليم؟! ولكن أليست هذه الحدود لا تتماشى إطلاقًا مع افتراضات نظرية التطور التي تفترض تغيرًا على مستوى الجين ذاته يكون أفضل ليتم انتقائه طبيعيًا بعد ذلك، وبتوالي تلك العملية تنشأ أنواعًا جديدة؟!
فإن كان تقبل وجود الطفرة كمسبب للأمراض صار محل شك أو تقليل، فما بالنا بتقبل توريث الجينات المطفرة كما تفترض نظرية التطور؟!، والتي تُصر على أنها جينات أفضل وليست معيبة، وتمثل إضافة جينية لم تكن موجودة مسبقًا في جينوم النوع الحي، علمًا بأننا لم نر ما يمكن أن يُستدل به على ذلك في أرض الواقع!

خاتمة
إن هذا التصور بعدم وجود تلك الطفرات المدّعاة القابلة للتوريث هو ضربة قاصمة للتطوريين الذين حاولوا تفسير التنوع الهائل في الصفات الوراثية في الأنواع الحية بحدوث ‏طفرات جينية، تحمل معلومات جينية جديدة، مسؤولة عن صفات جديدة، تم توريثها، وبتراكمها نشأت أنواعًا جديدة، وذلك للرد على علماء الوراثة الذين أكدوا أن الصفات المكتسبة لا تنتقل ‏للأجيال الجديدة.‏
وبعد أن ثبت أن التغيرات التي تطرأ على جينومات الأنواع الحية لا تحدث في بنيتها، بل تأكد أن أغلبها لا يعدو كونه تغيرًا في التعبير الجيني، ولا زال البحث جاريًا، فهذا دليل على ثبات الشفرة الوراثية لكل نوع من الأنواع الحية، ويعني أنه حتى الآلية الوحيدة التي كانت مفترضة لحدوث تغير جيني قد يمثل إضافة جينية، وهي الطفرة، صارت مشكوكًا فيها من الأساس.
وأتساءل: ألم يكن من المفترض أن يسقط مفهوم الطفرة كما تعرف لدينا طوال القرن العشرين بعد كل هذه الاكتشافات المذهلة والتي لا زالت تتوالى؟
منطقيًا، الإجابة نعم، ولكن على أرض الواقع لا ولن يسقط، لأن نظرية التطور كلها قائمة على فكرة التبدل المزعوم في الشفرات الوراثية وتكوين مادة وراثية جديدة بفعل التضاعف الجيني ثم الطفرات الصغيرة الحادثة في نطاقاته، لذا يجب الإبقاء عليه. ولن أستغرب مطلقًا من أي تبجح للتطوريين بالتعامل مستقبلًا مع علم فوق الوراثة على أنه تأكيد على إمكانية حدوث التطور!؛ فالالتفاف على كل ما يستجد في البحث العلمي ويناقض نظريتهم هو ما اعتدناه منهم.

نتابع في الحلقة الثالثة "علم فوق الوراثة (3).. هل ينسف مفهوم التطور الصغروي؟!‏" لنستقريء معًا تأثير المستجدات المستقاة من علم فوق الوراثة؛ خاصة ما يخص الجينات المُعطَّلة الموجودة في جينومات الأنواع الحية، والتي تنشط أحيانًا تحت ظروف بيئية خاصة، على استدلال التطوريين‏ على حدوث التطور بما اصطلحوا على تسميته بالتطور الصغروي.
*********************
علم فوق الوراثة (3).. هل ينسف مفهوم التطور الصغروي؟!

ذكرنا في المقال الأول "علم فوق الوراثة (1).. كيف تؤلف قصتك البيولوجية؟!‏" أن علم ‏فوق الوراثة هو دراسة أي عملية تغير نشاط الجينات دون تغيير تسلسل الحمض النووي؛ ‏فهو ‏يختص بدراسة التعبير الجيني؛ كيف تُشغل وتطفئ العوامل البيئية الجينات، ‏وكيف تتحكم في ‏نشاطها صعودًا وهبوطًا.‏ وأشرنا إلى بعض المستجدات العلمية التي أثبتت دور المحددات البيئية (فوق الوراثية) في تحديد صفاتنا وإمكانية إصاباتنا بالأمراض، وفي الحلقة الثانية من سلسلة المقالات "علم فوق الوراثة (2).. هل ينسف مفهوم الطفرة؟!‏" تناولنا تأثير تلك المستجدات في تقليص مفهوم الطفرة الوراثية، التي عوّل عليها العلماء في القرن العشرين كثيرًا في تفسير التغير في التعبير الجيني.
في هذه الحلقة نتناول تأثير مستجدات علم فوق الوراثة على تغير المنظور الذي يُنظر به إلى شكل من أشكال التطور يسميه التطوريون "التطور الصُغروي"، وهو وإن كان يُشار إليه على أنه التغير الذي يطرأ على النوع الواحد نتيجة لتكيفه مع الظروف البيئية، إلا أن توسع التطوريين في الحدود التي يتحدثون بها عنه يخرجه عن حدود التكيف، خاصة مع محاولاتهم الاستدلال به على إمكانية حدوث ذلك التطور الانتواعي الذي يشكل أساس نظرية التطور.

التطور الصغروي Microevolution
يُعرِّف التطوريون التطور الصغروي على أنه تغير في تردد (frequencies) الجين في التجمع الأحيائي (population)، ويمكن أن يحدث ذلك بطرق مثل الهجرة (migration)، والانجراف الجيني (genetic drift)، وهي طرق تغير نسب الجينات المورثة لصفة ما بين أفراد العشيرة.
ولكن الطريقة الأهم التي يفترضونها ويعوِّلون عليها كثيرًا لحدوث التطور الصغروي؛ هي الطفرة (Mutation)؛ كونهم يفترضون قدرتها على إحداث تغير في التركيب الجيني لأفراد النوع الحي الذي يمثل التجمع الأحيائي، فهي لا تغير فقط نسب الجينات في العشيرة، بل تخلق تراكيب جينية جديدة –بزعمهم-، ومن ثم يستدلون بحدوث تلك الطفرات المفترضة ليس فقط على إمكانية حدوث التطور الصغروي، بل على إمكانية حدوث التطور الانتواعي الكبير.
سبق وذكرنا أن علم فوق الوراثة يُعنى بالمؤثرات البيئية التي تؤثر في نشاط الجينات، دون حدوث تغير في تركيب الجينات ذاتها، وأن الجينات المُعطَّلة الموجودة في جينومات الأنواع الحية تنشط أحيانًا تحت ظروف بيئية خاصة، كما قد تتعطّل جينات كانت سابقًا نشطة استجابة لظروف البيئة. بالتالي صار مفهوم الطفرة كتغير في التركيب الجيني قابل للتوريث محل شك كبير بين العلماء. ومثل تلك المستجدات العلمية كافية لنسف ما اصطلح التطوريون على تسميته بالتطور الصغروي، ويخلطون بينه وبين مصطلح يتقبله جميع البشر وهو التكيف للبيئة.

هل التطور الصغروي مرادف للتكيف؟ وما الفرق بين التكيف والتطور؟
يكثر الخلط بين مصطلحيّ التكيف (التأقلم) ‏Adaptation، ‏وبين التطور المفترض بنشوء أنواع جديدة Evolution.
·   التكيف لا خلاف عليه؛ إذ يفترض أن أنواعًا حية كانت أكثر قدرة على التكيف مع البيئة ‏التي وُجِدت فيها، فعاشت في تلك البيئة، بينما عاشت أنواع أخرى في بيئات أخرى. لكن،
                                                i.            هل هي ‏خُلِقت على هذا النحو أم تغيرت لتكون عليه؟
                                              ii.            وهل حدوث تغيرات جذرية في البيئة يُقابلها النوع الحي بتنشيط لجينات معطّلة في جينومه أو تثبيط جينات أخرى؛ لإحداث تغييرات محدودة في صفاته الظاهرية لا تخرجه عن كونه فردًا من أفراد نوعه الحي، وتسهم تلك التغييرات في تكيفه مع البيئة، دون أن يحدث أدنى تغيير في تركيبه الجيني ومعلوماته الجينية، هل هذا يُعتبر دليلًا على إمكانية حدوث تطور انتواعي، ونشأة أنواع جديدة من بعضها البعض؟!
هذا ما يتعدى فرضية التكيف ذاتها، ويسوقنا إلى فرضية التطوريين التي يلتفون على نتائج الدراسات العلمية لإثباتها.‏
·   التطور يفترض ما هو أبعد من التكيف. إنه يقتضي قبول فرضية حدوث ‏تعديلات جوهرية أثناء محاولة الفرد للتكيف مع البيئة أدت لنشوء نوع جديد. ما يحاول التطوريون ‏قوله هو أن النوع الحي يتغير تغيرًا جذريًا ليكون قادرًا على التأقلم مع البيئة، وليس أنه قد ‏خُلِق ابتداءً قابلًا للتكيف معها، وأن هذا التغير يصل إلى حد نشوء نوع جديد، بل أنواع جديدة! ‏

المشكلة الكبرى أن كثيرين من ناقدي التطور لا يفهمون أن التنزلات الكثيرة للتطوريين بدون ضوابط؛ أي دون التأكيد على الحدود التي نقبلها، وإطلاق ألفاظ قبول معممة، يمكن أن تُستغل بعد ذلك في أن يوهم التطوريون المتابعين للنقاش بين الفريقين بصحة موقفهم، وأوضح مثال على ذلك هو تقبل معارضي التطور استخدام مصطلح "التطور الصغروي".
عن نفسي كنت أرفض استخدام مصطلح "التطور الصُغروي" كمرادف لتكيف الأنواع الحية، ولكن أصبحت أذكره أحيانًا من كثرة ما شاع مع توضيح تحفظي عليه، رغم أن كلا الفريقين، مؤيدي التطور ومعارضيه، يختلفون حول رؤيتهم له اختلافًا جذريًا؛ والحدود التي نقبله ونفهمه بها تختلف تمامًا عما لدى التطوريين، وما يريدون هم أن يثبتوا من خلاله.
الحقيقة أن التطور الصغروي –كما يعرضه التطوريون- ليس مرادفًا للتكيف، وهناك حدود يضعها رافضو التطور عند الحديث عن التطور الصغروي باعتباره تكيفًا، وهي أن حدود التكيفات ذاتها موجودة في المناطق التنظيمية من جينوم النوع الحي، بما يستحيل أن تخرجه عن كونه فردًا من أفراد ذلك النوع، مع التأكيد أنه لا يمكن مع مرور الزمان حدوث تغير في التركيب الجيني، والحصول على معلومة وراثية جديدة، كما يفترض التطوريون، ولم يثبت نهائيًا.

حقيقة ما يُسمى بالتطور الصغروي أن:
·   كل نوع مخلوق يحمل في حقيبته الجينية أسباب وطرق التكيف للبيئة.
·   التغير المحدود في الصفات داخل نفس النوع ناشئ عن تنوع جيني محفوظ أزلًا في الحقيبة الوراثية للنوع، ولا يوجد دليل على تغيرات في التركيب الجيني ونشوء أي معلومات جينية جديدة.
·   الطبيعة ليست مسؤولة عن إيجاد أي شيء. فقط هي تستحث الكائن لتطويع حقيبته الوراثية ليتكيف معها بتنشيط أو تثبيط جيناته؛ لذا فهناك حدود صارمة لتلك التغيرات الممكنة.

تغير التعبير الجيني واستدلال التطوريين به على حدوث التطور
إن تغير التعبير الجيني بالتنشيط أو التعطيل، وبالزيادة أو النقص، ملحوظ للعلماء منذ دراستهم وراثة لون الجلد في الإنسان وكثير من الحيوانات. جميعنا يعلم أنه بزيادة تعرضنا لأشعة الشمس يزداد إفراز صبغة الميلانين التي تلون الجلد، مهما كان لون الجلد فاتحًا، وتفسير هذا أن الجينات التراكمية المسؤولة عن تلوين الجلد قد زاد نشاطها تأثرًا بعامل فوق وراثي (بيئي) وهو أشعة الشمس. ولعله أكثر من واضح، للعامة قبل العلماء، أن ابتعادنا عن أشعة الشمس يجعل لون بشرتنا يعود شيئًا فشيئًا إلى ما كان عليه، لأن التركيب الجيني لخلايانا لا دخل له بالتغير في التعبير الجيني. ولم يدعِ أحد أنه قد حدثت له طفرة جينية عند تعرضه لأشعة الشمس!، أو أنه قد تطور تطورًا صغرويًا!
لكن كثيرًا ما استدل التطوريون بتغير نشاط بعض الجينات، كتنشيط بعض الجينات المُثبَّطة المُعطَّلة، وكذلك تثبيط بعض الجينات النشطة، على حدوث ما يسمونه التطور الصغروي، مصرّين على اعتبارها طفرات، ومتجاهلين أنها موجودة ابتداءً في جينوم النوع الحي، وأن أفراد النوع لم تزد على أن نشّطتها أو عطّلتها تكيفًا مع البيئة، ودون حدوث تغير في التركيب الجيني.
لعل أشهر الأمثلة على ذلك:
وراثة لون العين الأزرق
من أشهر تلك الطفرات التي يدّعيها التطوريون، حدوث طفرة قديمة، أدت إلى نشوء صفة لون العين الأزرق.
ودون الخوض في تفاصيل وراثة لون العين، يدّعي التطوريون أن طفرة حدثت من آلاف السنين أثرت على جين (OCA2) المسؤول عن لون العين، أدت إلى تكوّن تحويلة، مثل زر التشغيل والإطفاء، قامت بتعطيل القدرة على إنتاج الميلانين، وهي الصبغة التي تنتج العيون البنية، فنتجت بالتالي العيون الزرقاء. (1) (2)

نلاحظ بدايةً إقرار الباحثين التطوريين أن الأمر لم يزد على تعطيل نشاط الجين، وليس تغيير تركيبه، ومع ذلك فهم يعتبرون ذلك طفرة وتطور صغروي، بل ويستدلون به على إمكانية حدوث التطور الانتواعي الكبير، وظهور أنواع جديدة.
هنا أجد لديّ بعض التساؤلات:
1-هل صفة لون العين الزرقاء تزيد قدرة الإنسان على البقاء في إطار صراعه من أجل البقاء الذي ادّعى التطوريون أنه أساس لاستبقاء الصفات بالانتخاب الطبيعي؟!
2-أصبحتم تدعون وجود طفرات مفيدة حدثت في عمق التاريخ من آلاف السنين، فلماذا لا نرى أمثال تلك الطفرات المفيدة في حياتنا اليوم؟!
3-ما الذي يلزمنا بتصديق أن لون العين الأزرق نشأ كتغير في النشاط الجيني استجابة للبيئة، والذي تعتبرونه طفرة، وأنه لم يكن موجودًا منذ بداية الخلق في الحقيبة الجينية للنوع البشري مثل باقي ألوان العين؟، وهل هذه مقدمة للادعاء بعد ذلك أن صفات لون العين الأخضر والعسلي والرمادي نشأوا هم أيضًا كطفرات؟، ثم تخبرونا بعد سنوات أن صفة لون البشرة هي الأخرى تعرضت لطفرات أدت لتنوعها؟، ثم يتعدى الأمر إلى باقي الصفات البشرية؟

وليس لدى التطوريين أي شيء يستدلون به سوى أن "العيون الزرقاء نشأت عن طفرة لأن كل هؤلاء الأفراد ذوي العيون الزرقاء لهم سلف مشترك واحد".
ولو سألناهم، ما الدليل على وجود هذا السلف المشترك لهم؟ سيردون بأنه "حدوث الطفرة المُعطِّلة لإنتاج الميلانين في عيون هؤلاء الأفراد جميعًا!"
فالطفرة المدّعاة صارت دليلًا على السلف المشترك، والسلف المشترك صار دليلًا على الطفرة! إذًا فالأمر لا يعدو كونه استدلالًا دائريًا أخرق كعادة التطوريين.
وحتى لو سلّمنا بحدوث هذا التغير قديمًا في التعبير الجيني، فطالما ليس ناشئًا عن تغير في التركيب الجيني فهو ليس الطفرة بمفهوم التطوريين التي من المفترض أن يُحاجونا بها. والأمر يصب في علم فوق الوراثة ليس أكثر.

مقاومة البكتريا للمضاد الحيوي
لعل من أشهر أمثلة التطوريين التي يستدلون بها على حدوث التطور الصغروي، هو مقاومة البكتريا للمضاد الحيوي، في حين أنه أيضًا لا يعدو كونه تغيرًا في التعبير الجيني، وتثبيطًا لجين نشط تكيفًا لظروف البيئة، دون تغير في بنية الجين.
يمكن شرح ذلك التغير في التعبير الجيني بأن المناطق التنظيمية في جينوم البكتريا قد قامت بتثبيط عمل الجين الذي يُشفِّر لتكوين البروتين في غلاف البكتريا، والذي كان يتفاعل مع المادة الكيميائية الفعّالة في المضاد الحيوي، فيسبب موت الخلية البكتيرية. هذا التعطيل لإنتاج البروتين في غلاف الخلية البكتيرية جعل خلية البكتريا لا تعود تتأثر بالمضاد الحيوي.

هضم إحدى مجموعات بكتريا لينسكي للسترات
تعتبر تجربة لينسكي الشهيرة على البكتريا من أكثر ما يستدل به التطوريون على حدوث التطور الصغروي، ومن ثم التطور الانتواعي.
حاول لينسكي في هذه التجربة استغلال سرعة التكاثر في البكتريا وسرعة تعاقب الأجيال لخلق محاكاة لما يمكن أن يحدث من تغير جيني –مفترض- عند تعاقب الأجيال في أي نوع حي، ورصد كيف تتغير أحجام البكتريا وعادات الغذاء وغيرها مع الوقت.
في عام 1988 قام د.لينسكي مع فريق العمل التابع له ببدء هذه التجارب عن طريق وضع سلالة معينة من البكتريا المعوية "بكتريا القولون" "ايشيريشيا كولاي" E Coli في 12 أنبوبة معملية مختلفة بحيث توضع كميات محسوبة من الغذاء في كل أنبوبة، وبعد أن يتوقف تكاثر البكتريا نظرًا لانتهاء الغذاء يتم نقل نسبة معينة من البكتيريا الناجية من كل أنبوبة إلى أنبوبة أخرى جديدة تمامًا، لتمثل جيلًا جديدًا. ولأكثر من عشرين عامًا استمرت التجربة، وربما هي مستمرة حتى هذه اللحظة، منتجة آلاف الأجيال من البكتريا التي تم تجميدها وحفظها.
أهم نتائج التجربة، والتي هلّل لها التطوريون كثيرًا، واعتبروها إثباتًا لإمكانية حدوث التطور، أنه بعد الجيل البكتيري 33100 أصبحت إحدى هذه الاثنتا عشرة قبيلة قادرة على هضم السِترات citrate.
لكن الحقيقة أن وظيفة هضم السِترات ليست وظيفة جديدة على هذه البكتريا، أي أن البكتريا بالأصل تمتلك هذه الوظيفة، لوجود جين (Cit+) سلفًا بجينومها، يسمح لها أن تهضم السترات بدلًا من الجلوكوز لكن بشرط غياب الأكسجين من وسطها. كل ما في الأمر أن هذا الجين الموجود سلفًا يكون صامتًا مثبطًا عن العمل إذا وُجد الأكسجين.
في تجربة لينسكي كان الأكسجين عنصرًا موجودًا وبقوة؛ لكن عندما نقص الجلوكوز استطاعت البكتيريا –تكيفًا مع ظروف البيئة- أن تعوضه بهضم السترات برغم وجود الأكسجين المثبط للجين، أي أنها قامت بتنشيط الجين في وجود الأكسجين!
دراسة حديثة أجرت تحليلًا مدققًا للحمض النووي DNA لهذه البكتريا الهاضمة للسترات، نُشرت بمجلة nature في سبتمبر 2012 عنوانها: Genomic analysis of a key innovation in an experimental Escherichia coli population (1) (2).


تلخيص نتائج الدراسة أن ما حدث كان إعادة تنظيم لجينوم البكتريا لأجل تنشيط الجين المُعطَّل:
الجين المشفر للبروتين المسؤول عن التقاط السترات citT، والذي ينشط في الظروف الطبيعية فقط في غياب الأكسجين، تم تكرار نسخه في الحمض النووي، ووضع النسخ المكررة بمكان دقيق بين جينيين ينشطان في وجود الأكسجين، وبهذه الطريقة أصبح جين citT نشيطًا رغم وجود الأكسجين بالوسط الذي زُرعت به هذه البكتيريا.
فما حدث ببساطة هو تنويع في طريقة تعبير الجين بهدف التكيف مع ظرف بيئي جديد، والظرف هنا هو نقص الجلوكوز مع ارتفاع نسبة تكاثر البكتريا، ووجود السترات في البيئة، والتي يمكن التغذي عليها. والدقة التي تمت بها هذه الخطة لا تدل إطلاقًا على طفرات عشوائية، بل على تدخل المناطق التنظيمية في جينوم البكتريا ودورها في تغيير تنظيم التعبير الجيني تكيفًا لتغيرات البيئة.
بينما فسّر لينسكي قابلية البكتيريا لهضم مادة السترات بحدوث طفرات بدّلت وأضافت للمعلومات الجينية للحمض النووي DNA للبكتريا، مع إيحاء وإيهام أنها وظيفة جديدة تمامًا ومتطورة! وهذا تشويه وتأويل باطل للحقائق العلمية، فلا توجد وظائف جديدة نشأت، ولا معلومات جينية جديدة استُحدثت، ولا البكتريا صارت كتكوتًا بعد كل هذه الآلاف من الأجيال، ولكنه خداع وقلة حياء التطوريين.


تجربة جيري هول على بكتريا القولون
تجربة أخرى أُجريت على بكتريا القولون E Coli قام بها العالم جيري هول.
تقوم التجربة على فكرة أن نزع الجين المسؤول عن إنتاج الإنزيم الذي يكسر اللاكتوز، ومن ثم يُمكِّن البكتريا من هضمه، سيجبر البكتريا على إحداث طفرة سريعة تغير في التركيب الجيني لها وتولد معلومات جينية جديدة، تمكنها من إنتاج إنزيم آخر له القدرة على تكسير اللاكتوز حتى تستمر في البقاء.
ادعى جيري هول أن هذا قد حدث فعلًا مما عدّه دليلًا على صحة نظرية التطور، لكن حقيقة الأمر أن الادّعاء بأن الإنزيم الآخر الذي كوّنته البكتريا لهضم اللاكتوز هو نتيجة طفرة ومعلومات جديدة تم تخليقها في جينوم البكتريا هو ادّعاء غير حقيقي، فبكتريا القولون تستخدم أكثر من جين في تناول اللاكتوز، وهذا أمر أثبته جاكوب ومونود وزملاؤهما في معهد باستير منذ منتصف القرن العشرين، والأمر لا يعدو –كالمعتاد في هذه التجارب- تنشيط جينات كانت مُعطَّلة للعمل، والتعبير عن الجينوم البكتيري بصورة جديدة تكيفًا مع الظروف البيئية الجديدة.

خاتمة
بينما يرى المؤمنون أن قدرة النوع الحي على الملاءمة والتكيف هي دليل على التصميم الذكي، يستدل التطوريون بالقدرة على التكيف على إمكانية حدوث طفرات مفيدة للنوع تستمر في التراكم حتى ينشأ نوع جديد؛ ذلك أنهم يُصرّون على أن إظهار أي نوع للتأقلم مع بيئته –قديمًا وحديثًا- نتج عن تطفر وليس لتبديلات وتنويعات في التعبير الجيني، ويضربون عرض الحائط بنتائج العلم الحديث في ذلك المضمار.
والحقيقة أنه بالفعل لو ثبت حدوث تغير في تركيب الجينات، قابل للتوريث، ولم تكن المعلومات الجينية الأوّلية له موجودة في الحقيبة الوراثية للنوع، فإن ذلك سيكون له قيمة كبيرة بالنسبة للتطوريين، وهو ما يحاول التطوريون إثباته في العقود الأخيرة، خاصة بعد الضربات الموجعة التي تلّقوها من علوم البيولوجيا الجزيئية والكيمياء الحيوية والوراثة وفوق الوراثة، ولكن كل جهودهم باءت بالفشل.

أخيرًا، ومع تحفظي على المصطلح من الأساس، طالما تم التأكد من أن كل ما اعتُبر سابقًا طفرات مفيدة تغير التركيب الجيني للأنواع الحية، تحدث استجابةً لظروف البيئة، إنما هي فقط تغير في التعبير الجيني، ألم يحن الوقت لتكهين مصطلح التطور الصغروي، وإعادة استخدام مصطلح التكيف البيئي؟

فهرس مقالات مدونة نقد التطور- د/منى أبو بكر زيتون

رابط مجلة آمنت بالله – د/منى أبو بكر زيتون https://amantbeallah.blogspot.com.eg / رابط مدونة نقد التطور – د/منى أبو بكر زيتون ht...