الخميس، 23 أبريل، 2015

الانتخاب الطبيعي والانتخاب الصناعي "فساد القياس والرد على استدلالات التطوريين" -د/منى زيتون

الانتخاب الطبيعي والانتخاب الصناعي!!!
د/منى زيتون

نسمع كثيرًا بعض من يبثون فكرة ما يسمى بالتطوير الإسلامي ينقدون الخلقويين مدعين أن العقل الديني متناقض وبسيط، وأن المسلمين لديهم أسس عميقة بينما تطبيقهم لها يكون غبيًا، وأن أي مسلم لا يجد حريجة في تقبل أن توجد آليات معينة تعمل وتنتج شيئًا آخر -مفترضين التطور مبدئيًا!!!!-، ثم يذكرون ما يسمونه بالقياس بين الاستنساخ (الانتخاب الصناعي) -الذي يقصدون به تولد حيوانات هجينة- والانتخاب الطبيعي على أنه دليل على تناقض العقلية الدينية للمسلم، فكيف يرى الأول بعينه ويتقبله ويرفض الثاني؟!!

فما المقصود بالانتخاب الصناعي والانتخاب الطبيعي؟

موضع الانتخاب الصناعي في نظرية التطور قديم قدم النظرية، فقد استدل دارون في كتابه "أصل الأنواع" بقدرة مربي الحيوانات والنباتات على إنتاج صفات إيجابية وفي فترات زمنية قصيرة، فعلى سبيل المثال ساق مقالة للسير جون سيبرايت عن "فن تحسين الحيوانات الداجنة" يذكر فيها داروين –تحديدًا- أن "سير جون سيبرايت" بإمكانه إنتاج نوع من الريش في طير الحمام خلال ثلاث سنوات".
هنا نجد أن دارون يورد الانتخاب الصناعي للأفراد على أنه دليل على مبدأ البقاء للأصلح أي على أنه دليل على وجود الانتخاب الطبيعي.

ويسرف التطوريون من بعد دارون على أنفسهم في عرض أمثلة لأنواع من جنس واحد أي أنها متشابهة تصنيفيًا يمكن أن تتزاوج وتنسل، ولكنهم يخفون الجزء الهام من الحقيقة، وهو أن نسل تلك الأنواع الهجينة يكون عقيمًا، فالبغل (ناتج تزاوج فرسة مع حمار) والنغل (ناتج تزاوج أتان مع حصان) واللايكر (ناتج تزاوج نمرة مع أسد) والكاما (ناتج تزاوج جمل مع لاما) والسلعوة (يرجح بعض البيطريين في مصر أنه ناتج تزاوج كلب مع ذئب) وسائر أنواع الكلاب المستئذبة، وكل ما نتج من تزاوج نوعين مختلفين هي كائنات عقيمة.

بينما الانتخاب الطبيعي هو عملية ((غير عشوائية)) يفترض التطوريون أنها تحدث في الطبيعة، يزداد فيها أو يقل شيوع الصفات في التجمع الأحيائي، فتبقى الكائنات الأكثر تكيفًا مع بيئاتها على قيد الحياة، وقد أطلق على هذه العملية البقاء للأصلح. وهو آلية أساسية في نظرية التطور.

بالتالي فإن القياس الذي يدعونه بين الانتخاب الصناعي والانتخاب الطبيعي هو قياس مضل؛ لأن المفترض أن القياس يستخدم كدليل على أن النتيجة المتوقعة في الحالة الثانية هي ذاتها النتيجة الحادثة في الحالة الأولى. وهم يريدون أن يستخدموا هذا القياس بين الانتخاب الصناعي –والذي بالمناسبة يحدث في الطبيعة منذ خلق الله الخلق وبدون حتى تدخل الإنسان- والانتخاب الطبيعي لإثبات أن هناك نوعًا جديدًا خصيبًا يمكن أن ينشأ من خلال تناسل النوعين الأولين وتتوفر له إمكانية التزاوج والتناسل كسائر الأنواع!!!، فهل تُرى حقًا أن تلك النتيجة التي يريدونا أن نصل إليها تعسفًا لها علاقة بواقع الحال فيما يسمى بالانتخاب الصناعي؟!!!


نعود ونقول أن التمثيل بآلية العمل في الانتخاب الصناعي على أنها دليل على صحة آلية الانتخاب الطبيعي هو تمثيل خادع، فالانتخاب الصناعي إما أن يقصد به إنتاج صفات مرغوب فيها لأفراد من نفس النوع، وإما تهجين نوعين متقاربين للحصول على أفراد هجينة، ويمكن القول أنه:

أ- يفسر التطوريون الجدد ما تحدث عنه دارون عن إنتاج صفات جديدة في الكائنات أنه ناتج عن طفرات وراثية كثيرة قد تؤدي إلى ظهور صفة تكون لها الأفضلية، وبالتالي يقوم مربو الحيوانات باختيار هذا النوع أو الفرد ذي الصفة الأفضل وإكثاره والاستمرار به.  وسبق أن قلنا أن الطفرات أساسًا نادرة حتى على الفترات الزمنية البعيدة، وهي ضارة عمومًا، ولم يثبت أن طفرة أوجدت معلومات جينية جديدة.


ب-تختلف آلية الانتخاب الصناعي عن الآلية المفترضة في الانتخاب الطبيعي؛ فعمليات التهجين في الحيوانات التي تتكاثر جنسيًا، وكذلك محاولات تكوين سلالات بكتريا تختلف وظيفيًا من نوعين متشابهين من البكتريا تقوم أساسًا على إعادة تجميع الجينات بمعنى تكوين خليط جديد من جينات تكون موجودة مسبقًا لدى النوعين الأصليين، بينما الانتخاب الطبيعي يفترض تولد معلومات جينية جديدة لم تكن موجودة مسبقًا أدى تولدها إلى تكون كائن جديد أرقى نوعيًا من الذي تولد منه.

ج-لا يصح قياس احتمالية تكون أنواع جديدة تمتد لأجيال كما يفترض دارون على تكون الهجين من نوعين مختلفين، ولا بد من التنبيه على أن الهجين يبتر نسله فهو مجرد جيل أول F1  لا أكثر.

وكثيرًا أيضًا ما يحدثنا التطوريون عن التغيرات التي يعمل عليها الانتخاب الطبيعي، وينقدون ما يسمونه تصور رجال الدين للانتخاب الطبيعي على أنه كائن عاقل يوجهون له سهام نقدهم!!!
ومن الواضح أنهم هم من أساء فهم المنتقدين لأن كلامهم واضح؛ إذ يقولون لا بد من قوة عاقلة ذكية تصمم وتخلق، فأين ذكاء هذا الانتخاب الطبيعي؟!، الكلام واضح لمن يريد أن يفهمه، والأسهم الخرقاء الموجهة في الهواء والتي تتحدث عن غيب ميتافيزيقي كأنه حقيقة علمية ليست أسهم الناقدين بل التطوريين.

والآن لنسرد أمثلة سريعة لبعض أمثلة تكيف الكائنات مع البيئة التي يعزوها التطوريون إلى الانتخاب الطبيعي، ثم بعض الأمثلة على ما يطلقون عليه اسم الانتخاب الصناعي بوسائل غير بشرية (علاقة الزهور بالحشرات).

الأمثلة على الانتخاب الطبيعي:


أ- الأرنب البري (أستراليا): يعتبر التطوريون تغيَر حجم جسد الأرنب ووزنه وأبعاد أذنه بعد أن جُلب من أوروبا وتكيف مع المناخ الحار الجاف في أستراليا دليلًا على التطور.
ترجع قصة إدخال الأرانب الأوروبية إلى أستراليا إلى القرن الثامن عشر، وما يروى عن هذه القصة أن بعض الأزواج من الأرانب الأليفة هربت من أحد المزارعين وانطلقت في براري أستراليا وتكاثرت بأعداد كبيرة للغاية، ويروى أيضًا أنه قد أُحضرت بعض السلالات الأخرى من الخارج بعد ذلك مما أدى إلى زيادة تكاثر الأرانب بأعداد كبيرة جدًا مما أدى إلى اختلال التوازن البيئي وصارت الأرانب أكبر آفة تواجه المحاصيل الزراعية في أستراليا، وصارت تهدد أراضي القارة بنقص الخضرة لأنها تتغذى تقريبًا على كل أنواع النباتات التي تجدها.

باختصار، فإن ما حدث لأرانب أستراليا حدث بعيدًا عن ملاحظة الإنسان، وهناك احتمال كبير أن الأرانب الموجودة الآن هي نتيجة تهجين سلالات عديدة من الأرانب تم إحضارها خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر على مراحل، وتناسلت بشكل طبيعي فيما بينها دون تدخل الإنسان، وهذا أحد التفسيرات لاختلافها عن الأرانب الأوروبية.
الأمر الثاني أن أرانب أستراليا هي أرانب برية وإن كانت آباءها أرانب داجنة، وتعيش في بيئة خضرة يتوفر فيها الغذاء بكثرة وهذا يبرر زيادة حجمها ووزنها مقارنة بالأرانب الداجنة، كما أنه معروف من خلال دراسة سلوك الحيوانات أن الحيوانات البرية تحرك آذانها كثيرًا لجمع الأصوات من البيئة تحسبًا للمفترسات وهذا يفسر تغير حجم آذان تلك الأرانب تكيفًا مع البيئة الجديدة لكن فيما لا يجاوز حدودها الفسيولوجية المحددة سلفًا في جينومها.

ب- طائر داب العسل القرمزي Scarlet honeycreeper (هاواي): مع بداية تلاشي المصدر المفضَل للرحيق في بيئة ذلك الطائر اعتمد على رحيق من مصدر آخر، فصغر منقاره. مرة أخرى مجرد تكيف مع البيئة لا يجاوز الحد الفسيولوجي.

ج-الحلزون البحري: يدعي التطوريون حدوث تغير في شكل صدفة الحلزون البحري مع الزمن وأنها أصبحت أكثر سمكًا، ويعود ذلك على الأرجح إلى تعرضها لخطر الافتراس من السرطان.
بالنسبة للحلزونات البحرية فهي مجموعة كبيرة من الحيوانات ومتنوعة وغنية جدًا وليست نوعًا واحدًا، وقد تم العثور على قواقع لها متنوعة الأشكال والأحجام، ولكن عادة ما تكون صغيرة جدًا. ولأن الصدفيات والقواقع البحرية قوية في بنيتها وصلبة فقد استخدمت لتكوين السجل الأحفوري في علم الأحياء القديمة.
مع هذا التنوع في هذه المجموعة من الكائنات يصعب تصديق إدعاء التطوريين بحدوث تغير في شكل وسمك صدفة الحلزون.

د-بقة شجرة التوت الصابوني التي تكيفت مع الغذاء الجديد المتوفر لها من استعمارها لأنواع جديدة من الأشجار بتطويل وتقصير مناقيرها كي تصل للبذور.

ه-نبات الخردل البري في كاليفورنيا الذي كان يسرع في الإزهار في موسم الجفاف العالي الذي حل بجنوب كاليفورنيا في العقد الماضي لاستبقاء حياته.

بالنسبة لأمثلة الانتخاب الصناعي بواسطة الحشرات لا يفوتنا الحديث عن خداع زهرة الأوركيد؛ حيث تعتبر زهرة نبات الأوركيد نموذج فريد في عالم المحاكاة؛ حيث تقلد هذه الأزهار بشكل بارع أشكال بعض الحشرات كالنحل أو الدبور أو العنكبوت لتجذب إليها الجنس المخالف من الحشرة فتلقحها، بل وقد تنتج بعض أشكال الزهرة مركبًا كيميائيًا يعطيها رائحة إناث الحشرة أثناء فترة التزاوج لتحاكيها في الشكل واللون والرائحة.

فراشة دارون (النبوءة!!):
من المعروف أن طرق تلقيح النباتات هي أربع طرق لا خامس لها (الرياح- الماء- الإنسان- الحيوانات وخاصة الحشرات).
وقد سبق وتنبأ دارون بوجود فراشة لها خرطوم يصل إلى حوالي 30 سم لتقوم بتلقيح زهرة أوركيد كبيرة عميقة يصل طول المسار الذي ينتهي بالرحيق فيها إلى ما يقرب من 30 سم.

أعتقد أن هناك مبالغة كبيرة في القيمة التنبؤية التي تم إضفاؤها على نبوءة دارون بوجود تلك الفراشة لأنه طالما أن الزهرة كبيرة ومن ثم فحبوب اللقاح كبيرة فلا يمكن أن يتم التلقيح بواسطة الرياح، وطالما أن النبات غير مائي فلا يمكن أن تكون التيارات المائية وسيلة التلقيح، وكذلك الإنسان لا يتدخل في تلقيح هذه الزهرة، لذا فمن المنطقي أنه يتم تلقيحها بواسطة الحيوانات، وطالما أنها زهرة جميلة الشكل والرائحة تفرز الرحيق فالحشرات هي التي تلقحها خاصة النحل والفراش، والفراش هو الذي له خرطوم طويل وليس النحل. إذن فالاحتمال الأكبر هو وجود مثل هذه الفراشة. مجرد استنتاج منطقي وجميل أن يتم التيقن منه ويتم اكتشاف وجود هذه الفراشة بالفعل لكن غير الجميل هو المبالغة المفرطة في قيمته.


ونكتفى بعرض هذه الأمثلة، والجدل من هذا النوع يبالغ في الحقيقة. وهذه المبالغة تبدو صفة أساسية في الكثير من الدعاوى حول نظرية التطور. دعاوى متضخمة مبالغ فيها لتعويض أدلتهم الهزيلة العاجزة.

فهرس مقالات مدونة نقد التطور- د/منى أبو بكر زيتون

رابط مجلة آمنت بالله – د/منى أبو بكر زيتون https://amantbeallah.blogspot.com.eg / رابط مدونة نقد التطور – د/منى أبو بكر زيتون ht...